مقالات

الحرب وتدمير الزراعة (5)


كتب : حسين سعد
لم تكن الحروب التي شهدها السودان خلال العقود الماضية مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل كانت لها آثار عميقة على بنية الاقتصاد الوطني، خاصة في القطاع الزراعي الذي يعتمد بشكل كبير على الاستقرار والأمن، فالزراعة بطبيعتها نشاط طويل الأجل يتطلب تخطيطاً واستثماراً مستمراً في الأرض والمياه والبنية التحتية. وعندما تندلع الحروب، فإن هذه الشروط الأساسية للإنتاج الزراعي تتعرض للاختلال، مما يؤدي إلى تراجع الإنتاج وتدهور سبل العيش في المناطق الريفية.


في العديد من مناطق النزاع في السودان، أدى العنف المسلح إلى نزوح ملايين السكان من قراهم ومزارعهم، تاركين خلفهم الأراضي الزراعية دون استغلال. كما تعرضت البنية التحتية الزراعية – مثل قنوات الري والطرق الريفية والأسواق المحلية – للتدمير أو الإهمال، وقد ساهمت هذه الظروف في خلق ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد الحرب”، حيث تحل الأنشطة المرتبطة بالنزاع محل الأنشطة الإنتاجية التقليدية. ففي بعض المناطق، أصبح الشباب يعتمدون على العمل في المليشيات أو في أنشطة تجارية غير مستقرة بدلاً من الزراعة.


كما أدت الحروب إلى تعطيل سلاسل الإمداد الزراعي، مما صعّب على المزارعين الحصول على المدخلات الزراعية مثل البذور والأسمدة، أو تسويق منتجاتهم في الأسواق المحلية والإقليمية، ومع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان في أبريل 2023، تفاقمت هذه المشكلات بشكل كبير، فقد تضررت العديد من المناطق الزراعية الرئيسية، كما تعطلت حركة التجارة والنقل في أجزاء واسعة من البلاد، لكن رغم هذه التحديات، يشير الكتاب إلى أن إعادة بناء القطاع الزراعي يمكن أن تشكل أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي بعد الحرب. فالزراعة تمتلك قدرة كبيرة على خلق فرص عمل سريعة، كما يمكن أن تسهم في إعادة إحياء المجتمعات الريفية التي تضررت من النزوح والعنف، ومن هنا يدعو الكتاب للمؤلف حسن سنهوري الذي تمت طباعته ونشره بمساعدة المركز الإقليمي ضمن أهداف المركز لبناء السلام والتنمية المستدامة بحسب ما ورد في تقديم الناشر، يدعو الكتاب إلى جعل إعادة تأهيل القطاع الزراعي جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لإعادة الإعمار في السودان.


التغير المناخي ومستقبل الزراعة :


إلى جانب التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه القطاع الزراعي في السودان، يبرز التغير المناخي كأحد أهم العوامل التي ستؤثر على مستقبل الزراعة في البلاد خلال العقود القادمة، فالسودان يقع في منطقة انتقالية بين المناخ الصحراوي والمناخ المداري، مما يجعله حساساً بشكل خاص للتغيرات في أنماط الأمطار ودرجات الحرارة. وقد شهدت العديد من المناطق خلال السنوات الماضية تقلبات ملحوظة في مواسم الأمطار، مع تزايد فترات الجفاف في بعض السنوات، هذه التغيرات المناخية لها تأثير مباشر على الإنتاج الزراعي، خاصة في المناطق التي تعتمد على الزراعة المطرية. فعندما تتأخر الأمطار أو تنخفض كمياتها، تتعرض المحاصيل لخطر الفشل، مما يهدد الأمن الغذائي للمجتمعات الريفية.


كما أن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يؤدي إلى تدهور التربة وزيادة معدلات التصحر في بعض المناطق، خاصة في شمال وغرب البلاد، لكن الكتاب يشير أيضاً إلى أن السودان يمتلك فرصاً مهمة للتكيف مع التغير المناخي إذا ما تم تبني سياسات زراعية مبتكرة ومستدامة. فهناك إمكانات كبيرة لتطوير تقنيات الري الحديثة، وتحسين إدارة المياه، واستخدام أصناف زراعية أكثر مقاومة للجفاف، كما يمكن أن تلعب الزراعة الذكية مناخياً دوراً مهماً في تحسين الإنتاجية مع الحفاظ على الموارد الطبيعية، ومن هنا يؤكد الكتاب أن مواجهة التغير المناخي لا ينبغي أن تُنظر إليها باعتبارها مجرد تحدٍ بيئي، بل يجب أن تكون جزءاً من رؤية شاملة لتحديث القطاع الزراعي وتعزيز قدرته على الصمود في مواجهة الأزمات.


اقتصاد الريف :
يشكل الريف السوداني القلب النابض للاقتصاد الوطني، حيث يعتمد ملايين السكان على الزراعة والرعي والصناعات الريفية الصغيرة كمصادر رئيسية للعيش. وعلى الرغم من التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية، فإن الزراعة لا تزال تمثل النشاط الاقتصادي الأكثر انتشاراً بين السكان، تتسم سبل العيش الزراعية في السودان بالتنوع الكبير، نتيجة للتباين البيئي والجغرافي بين مختلف مناطق البلاد. ففي المناطق شبه الصحراوية في الشمال والغرب، يعتمد السكان على مزيج من الرعي والزراعة المطرية المحدودة، بينما تنتشر الزراعة المطرية الواسعة في مناطق السافنا في دارفور وكردفان، أما في السهول الطينية في شرق البلاد، فقد تطورت أنظمة الزراعة الآلية التي تنتج محاصيل مثل الذرة والسمسم بكميات كبيرة. وفي المناطق القريبة من نهر النيل، تعتمد المجتمعات المحلية على الزراعة المروية التي تسمح بإنتاج محاصيل نقدية وغذائية على مدار العام.


هذا التنوع في أنماط الإنتاج الزراعي يعكس قدرة المجتمعات الريفية السودانية على التكيف مع ظروفها البيئية المختلفة. لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات كبيرة على صناع السياسات، إذ يتطلب وضع استراتيجيات تنموية مرنة تأخذ في الاعتبار خصوصية كل منطقة، ومن أهم التحديات التي تواجه سبل العيش الزراعية في السودان ضعف البنية التحتية الريفية، وغياب التمويل الزراعي المناسب، إضافة إلى محدودية الخدمات الإرشادية والتقنيات الحديثة.


لكن في المقابل، يشير الكتاب إلى أن هذه الأنظمة الزراعية تمتلك إمكانات كبيرة للنمو إذا ما تم دعمها بسياسات تنموية مناسبة. فالمزارعون السودانيون يمتلكون خبرات طويلة في إدارة الأراضي والموارد الطبيعية، ويمكن لهذه الخبرات أن تشكل أساساً لتطوير نظم إنتاج أكثر كفاءة واستدامة
إن تعزيز سبل العيش الزراعية لا يساهم فقط في تحسين مستوى المعيشة في الريف، بل يشكل أيضاً خطوة أساسية نحو تحقيق الاستقرار الاجتماعي وتقليل دوافع النزوح والهجرة إلى المدن..


الثروة الحيوانية:
في الريف السوداني إلى جانب الزراعة النباتية، تشكل الثروة الحيوانية أحد أهم أعمدة الاقتصاد الريفي في السودان. فالسودان يمتلك واحداً من أكبر قطعان الماشية في أفريقيا، بما يشمل الأبقار والأغنام والماعز والإبل، تعتمد ملايين الأسر السودانية على تربية الماشية كمصدر رئيسي للدخل والغذاء، خاصة في مناطق السافنا وشبه الصحراوية حيث تشكل أنشطة الرعي جزءاً أساسياً من الثقافة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية..


لكن رغم هذا الحجم الكبير للثروة الحيوانية، فإن مساهمتها في الاقتصاد الوطني لا تزال أقل بكثير من إمكاناتها الحقيقية. ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل، من بينها ضعف الخدمات البيطرية، ونقص البنية التحتية للأسواق، ومحدودية الاستثمارات في الصناعات المرتبطة بالماشية مثل تصنيع اللحوم والألبان والجلود، يشير الكتاب إلى أن تطوير قطاع الثروة الحيوانية يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية كبيرة للسودان، ليس فقط من خلال زيادة الصادرات، بل أيضاً عبر خلق فرص عمل جديدة في الصناعات المرتبطة بهذا القطاع، كما أن تحسين إدارة المراعي وتنظيم حركة الرعاة يمكن أن يسهم في تقليل النزاعات بين المجتمعات الرعوية والزراعية، وهو ما يعزز الاستقرار الاجتماعي في العديد من المناطق..


ومن هنا يدعو الكتاب للمؤلف حسن سنهوري الذي تمت طباعته ونشره بمساعدة المركز الإقليمي ضمن أهداف المركز لبناء السلام والتنمية المستدامة بحسب ما ورد في تقديم الناشر، يدعو إلى دمج قطاع الثروة الحيوانية بشكل كامل في الاستراتيجية الزراعية الوطنية، بحيث يتم التعامل معه كجزء أساسي من منظومة الأمن الغذائي والتنمية الريفية.


الزراعة والصناعات الغذائية:
الطريق نحو اقتصاد زراعي حديث لكي تتحول الزراعة إلى محرك حقيقي للتنمية الاقتصادية، لا يكفي التركيز على زيادة الإنتاج الزراعي فحسب، بل يجب أيضاً تطوير الصناعات المرتبطة بهذا الإنتاج.


ففي العديد من الدول الزراعية المتقدمة، تشكل الصناعات الغذائية جزءاً أساسياً من الاقتصاد الوطني، حيث يتم تحويل المحاصيل الزراعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية قبل تسويقها في الأسواق المحلية والعالمية، أما في السودان، فإن معظم المنتجات الزراعية يتم تصديرها أو بيعها في شكلها الخام، مما يقلل من العوائد الاقتصادية التي يمكن تحقيقها من هذا القطاع، يشير الكتاب إلى أن تطوير الصناعات الغذائية يمكن أن يحقق عدة فوائد مهمة، منها : زيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، وخلق فرص عمل جديدة في المناطق الريفية، وتقليل الفاقد بعد الحصاد، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات السودانية في الأسواق العالمية، ومن الأمثلة الواعدة في هذا المجال تطوير الصناعات المرتبطة بمحاصيل مثل السمسم والفول السوداني والصمغ العربي، إضافة إلى الصناعات المرتبطة باللحوم ومنتجات الألبان، إن بناء اقتصاد زراعي حديث يتطلب أيضاً الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية مثل الطرق والمخازن ومراكز التبريد، إضافة إلى تطوير أنظمة التسويق الزراعي (يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى