منذر مصطفي : هل هناك انقلاب داخل الانقلاب؟

أصدر الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان (الدفعة 31)، القائد العام للقوات المسلحة، حزمة قرارات مفصلية شملت تعيين رفاق دربه في مناصب سيادية وتخصصية: الفريق أول ركن ياسر العطا (الدفعة 32) رئيساً لهيئة الأركان، والفريق أول شمس الدين كباشي (الدفعة 32) مساعداً لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي، والفريق أول ميرغني إدريس (الدفعة 31) مساعداً لشؤون الصناعات الدفاعية، والفريق أول إبراهيم جابر (الدفعة 33) مساعداً لشؤون العلاقات الدولية والتعاون العسكري.
القرارات الأخيرة هذه، والتي دفعت بضباط من دفعات محددة (31–33) إلى مواقع القيادة العليا، لا يمكن قراءتها بمعزل عن منطق أعمق: ترسيخ شبكات الثقة داخل قمة الهرم العسكري، هؤلاء شبكة متماسكة تشكلت في لحظة تاريخية واحدة، وتجربة ميدانية مبكرة في حرب طويلة، وشعور متراكم بالتمايز المهني.
وبدأت القصة حينما تخرج + 400 ضابط في هذه الدفعات الثلاث خلال 15 شهراً فقط، في أعقاب إقرار نظام “الدبلوم العسكري والجامعي” عام 1980 في عهد جعفر نميري.. التحقت “دفعة البرهان وميرغني” بالكلية الحربية في أبريل/ نيسان من ذات العام وأكملت مقرراتها في أكتوبر/ تشرين الأول 1982، تلتها دفعة “العطا وكباشي” في أبريل 1983، ثم دفعة “جابر” في يناير/ كانون الثاني 1984.
وتزامن تسلم هذه الدفعات لمهامها الميدانية مع انفجار الحرب الأهلية الثانية في الجنوب (1983)، فشكلوا ما يقارب 10% من إجمالي ضباط الجيش آنذاك، وكان نميري، الذي فقد لتوه الثقه في المؤسسات المدنية بعد “مصالحة 1977″، ويطمح بهذه الخطوة لـ تأهيل ضابط “تكنوقراط” قادرين على إدارة مفاصل الدولة بعد سحق أي مظاهر مدنية في الحكم.
شكلت هذه الدفعات الامتداد العملي لحلم “السلطة العسكرية المطلقة” الذي راود الضباط منذ انقلاب إبراهيم عبود (1958)، وهي تعيد إنتاج سردية حركت العميد عبد الرحيم شنان (قائد منطقة شندي) والعميد محيي الدين أحمد عبد الله (قائد منطقة القضارف) في مارس/ آذار بالعام التالي لـ الانقلاب، حين زحفا بقواتهما نحو الخرطوم لانتزاع “نصيبهما” من السلطة داخل المجلس الأعلى، لا لإلغاء الحكم العسكري، وهذا النهج كرس واقعاً لم يتبدل منذ عقود.
بفعل التأهيل المزدوج (عسكري-جامعي) والتجربة الميدانية المبكرة في جبهات ساخنة، تولد لدى هذا الجيل شعور بالاستعلاء المهني على من سبقهم ومن لحق بهم، وفوق ذلك شعور بالتفوق على “الأفندية” والساسة المدنيين، لكنهم لم يحظو بفرصة لتحقيق ذلك طوال الـ 40 عام من فترة خدمتهم العسكرية.
حتى استدعى نظام “30 يونيو 1989” قادة هذه الدفعات لتولي مهام أمنية وسيادية حساسة (اللجنة الأمنية للنظام) في وقت مفصلي، وكان من بينهم فقط الفريق أول عوض بن عوف (الدفعة 28)، الذي تم التخلص منه تحت ضغط ثورة ديسمبر، قبل أن يدخلوا في صراع مرير مع “ضابط لا دفعة له”، وهو الصراع الذي أعياهم حتى انفجرت حرب 15 أبريل\نسيان 2023.
وتمظهر خطهم السياسي بوضوح في 11 أبريل/ نيسان 2019 عندما حاولت الرتب العليا امتصاص غضب الشارع بتغيير وجوه النظام مع الإبقاء على جوهره، قررت (31-33) قلب الطاولة من الداخل بـ “انقلاباً ناعم” داخل المؤسسة، حيث استلم جيل “التكنوقراط العسكري” زمام المبادرة فعلياً، متحررين من سطوة جنرالات الحرس القديم، ليبدأوا رحلة إحكام القبضة على مفاصل الدولة، وبهذا اليوم تحقق أول أنتصار بـ بجدول أعمال التيار السلطوي العسكري.
وتعرف هذه المجموعة حرب 15 ابريل كـ محاولة لتصحيح لـ خطأ استراتيجي سمح بنمو جسم غريب خارج رحم الكلية الحربية، ومن مفارقات القدر، أن “التكنوقراط العسكري” الذي خطط له نميري لإدارة الدولة في وقت السلم، وجد نفسه يقود أطول وأعنف حرب مدن في تاريخ السودان الحديث بهدف استعادة احتكار العنف والقضاء على كل من ينازعهم عليه.. لكنها لم تحقق لهم أهدفها كما هو متوقع بسبب مؤثرات سياسية وجيوسياسية لم يتم حسابها بدقة!.
ويشكل تقاربهم التكتيكي من بعض المحاور، بالتوازي مع التلويح بورقة الانفتاح على قوى دولية منافسة، انعكاساً لذهنية “التكنوقراط العسكري” التي تؤمن بالبراغماتية المطلقة، هذه العقلية لا ترى في التحالفات الدولية ثوابت أيديولوجية، وإنما أدوات وظيفية لتأمين الغطاء الدبلوماسي والسلاح النوعي، ويرسلون من خلال هذه التحركات رسالة للعالم مفادها بأن “نادي الخريجين- العسكري” هو الرقم الأصعب في أي معادلة أمنية إقليمية قادمة، مهما بلغت حدة التجاذبات الدولية.
وداخلياً يدرك البرهان أن الإسلاميين متوجسون من تقاربه التكتيكي مع قوى الثورة، ويعلم أن الأخيرة تسعى لتعبئة الشارع والضغط دبلوماسياً.. لذا، عمد إلى “تفخيخ” المشهد العام برفع مستوى التوتر؛ فقرر تقريب عناصر من نفس مجموعته بـ”صبغة أيديولوجية” صارخة، تكون أعلى من الجميع واقل منه، ليخلق حالة من “الردع المزدوج”.
ويقول لـ الإسلاميين: أنتم الآن في قلب السلطة بـ”رجالنا”، فلا داعي للانقلاب، ولـ الثوار: أي تحرك لـ إسقاطي، يعني صعوداً لتيار إسلامي – راديكالي – دموى، داخل الجيش لا يقبل التفاوض، ولا يفضل الإنحياز لـ الشعب.. بإفتراض أن الدفعات (31-33) كتلة واحدة، لكن التجربة أكدت عكس ذلك فداخل كل دفعة توجد شبكات، وداخل كل شبكة مصالح، وداخل كل مصلحة مشروع سلطة مختلف.
بيد أن ما قد يقلب الطاولة فعلياً هو طموح “الفريق أول ميرغني إدريس” – ووراءه الظهير الإسلامي – حيث راكم الرجل نفوذ مالي وعسكري من رحم “الصناعات الدفاعية”، ويمتلك ولاءً تنظيمياً للحركة الإسلامية يسبق إيمانه بـ “تيار السلطة العسكري”، ورغم ذلك وافق على تقاسم النفوذ مؤقتاً ويتحين الفرصة لإعادة تشكيله، عندما تتعب يد البرهان من الإمساك بكل هذه الخيوط.
مما يجعل البلاد أمام انقلاب جديد للإخوان؟ رغم أن الظاهر “تمكين مؤسسي” لهذا الجيل من الضباط، الذين ينظرون لـ أنفسهم كساسة بزي عسكري، ولا يذوبون في التنظيمات السياسية ظاهرياً، ويطوعونها لخدمة مشروعهم في السيطرة.. هو حقيقة أن الصراع في السودان اليوم لم يعد بين عسكر ومدنيين فقط، ولا بين إسلاميين وخصومهم، بل بات – بصورة متزايدة – صراعاً داخل النخبة العسكرية نفسها على من يملك تعريف الدولة والسيطرة عليها.
الانقلاب القادم – إن حدث – لن يكون ضد البرهان كشخص، وإنما “إزاحة داخلية جماعية” داخل نفس الدائرة (31-33) لصالح الجناح الأكثر قرباً من الإسلاميين، إذا شعر هؤلاء أن “البرهان” بدأ يفقد السيطرة على خيوط اللعبة “الصراع آلية حكم”، بما في منع أي توازن مدني حقيقي والإبقاء على تعدد مراكز القوة داخل الجيش.
منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
11 أبريل\نسيان 2026




