إزالات الخرطوم بحري : تنظيم للمدينة أم تعميق للمأساة؟

تقرير : الجاسر نيوز
تتصاعد حدة الجدل في ولاية الخرطوم عقب تنفيذ السلطات المحلية حملات إزالة مكثفة استهدفت مساكن وأكشاك تجارية في مناطق متفرقة بمدينة بحري، في خطوة تقول السلطات إنها تهدف إلى تنظيم البيئة الحضرية، بينما يراها متضررون ومنظمات حقوقية إجراء قاسي يزيد من معاناة المواطنين في ظل أوضاع إنسانية واقتصادية بالغة التعقيد.
وبحسب بيانات رسمية، نفذ جهاز حماية الأراضي وإزالة المخالفات عمليات ميدانية خلال الأيام الماضية أسفرت عن إزالة 267 مخالفة متنوعة، شملت أكشاك تجارية ومظلات خارجية، إلى جانب توزيع إنذارات نهائية في شارع الكدرو تمهيداً لمرحلة جديدة من الإزالات.
غير أن هذه الإجراءات قوبلت بموجة استياء واسعة وسط السكان، خاصة أصحاب المهن الصغيرة الذين يعتمدون على هذه الأنشطة كمصدر دخل رئيسي. وقال أحد المتضررين إن الأكشاك تمثل وسيلة العيش الوحيدة في ظل توقف الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة” محذراً من أن الإزالة دون توفير بدائل تدفع بالأسر إلى أوضاع معيشية أكثر قسوة.
وفي السياق ذاته تصاعدت الانتقادات من قبل جهات حقوقية، حيث أعربت مركزية مؤتمر الكنابي عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بعمليات إزالة قسرية تستهدف مساكن المواطنين، لا سيما في حي المشروع شمال الخرطوم بحري، جوار السكة الحديد. واعتبرت في بيان أن هذه الخطوات تمثل انتهاكاً صريحاً للحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في السكن الآمن، مشيرة إلى أن توقيتها يأتي في ظل ظروف حرب أرهقت المجتمع وأضعفت قدرته على التكيف مع أزمات إضافية.
واتهمت جهات مدنية السلطات باتباع سياسات تمييزية تطال سكان الأطراف، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية نتيجة فقدان المأوى وسبل كسب العيش. كما حذرت من أن تنفيذ الإزالات دون مراعاة للبعد الاجتماعي أو توفير بدائل مناسبة قد يؤدي إلى توترات مجتمعية أوسع.
وفي المقابل لم تصدر توضيحات تفصيلية من الجهات الرسمية بشأن خطط إعادة التوطين أو تعويض المتضررين، ما زاد من حالة الغموض والاحتقان في الشارع المحلي. ويؤكد مراقبون أن غياب الشفافية ووضوح الإجراءات المصاحبة لعمليات الإزالة يفاقم من فقدان الثقة بين المواطنين والسلطات.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه السودان من أزمة مركبة بفعل النزاع المستمر، الذي أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وتزايد أعداد النازحين داخلياً، ما يجعل أي إجراءات تمس السكن أو مصادر الدخل ذات تأثير مباشر على الاستقرار الاجتماعي.
ودعت منظمات حقوقية إلى وقف فوري لعمليات الإزالة القسرية، والالتزام بالمعايير القانونية والإنسانية، مع ضرورة إشراك المجتمعات المحلية في أي خطط تنظيم عمراني، وتوفير بدائل ملائمة تحفظ كرامة المواطنين وحقوقهم الأساسية.
ومع استمرار الجدل، تبقى الأوضاع في بحري ستمضي نحو المزيد من التوتر، في ظل مطالب متزايدة بمراجعة السياسات الحالية، وتحقيق توازن بين متطلبات التنظيم الحضري وحماية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.



