مقالات

حتمية التغيير في بنية الدولة السودانية : نحو عقد اجتماعي ينهي إرث الإقصاء

كتب : جعفر محمدين عابدين
28 مارس 2026م
gafertamok@gmail.com


لم يعد الحديث عن تغيير بنية الدولة السودانية مجرد ترف فكري أو شعار سياسي عابر، بل استحال ضرورة تاريخية ملحة تفرضها طبيعة الأزمات الهيكلية التي صاحبت نشأة الدولة السودانية بمختلف حقبها. إن الخلل الجوهري في مسيرة الدولة السودانية يكمن في سياقها التاريخي الذي قام على احتكار السلطة والثروة، وهيمنة نخب محددة على مفاصل القرار والإدارة، مما أنتج منظومة مؤسسية تعمل آلياً على إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي وتكريس سياسات الإقصاء والتهميش، لا سيما في مناطق الهامش السوداني.


قضية الكنابي: المرآة الكاشفة للخلل البنيوي


تتجلى أزمة البنية العنصرية والطبقية للدولة بوضوح شديد في قضية العمال الزراعيين (سكان الكنابي) في وسط وشرق السودان. إن معاناة هذه الفئة لم تكن وليدة صدفة اقتصادية، بل هي انعكاس مباشر لعلاقة استغلالية غير متكافئة؛ حيث نشأت هذه التجمعات كخزان للعمالة في المشاريع الزراعية الكبرى ضمن ظروف تفتقر لأدنى معايير العدالة.
ورغم تحول هذه التجمعات إلى مجتمعات مستقرة عبر الزمن، إلا أن الدولة تعمدت إبقاءها خارج الإطار القانوني والإداري والاجتماعي، مما أدى إلى:

  • تغييب الخدمات الأساسية: من تعليم وصحة وبنية تحتية.
  • إنكار الحقوق الأرضية: غياب الاعتراف القانوني بحق السكن وحيازة الأرض.
  • الوصم الاجتماعي: استمرار الصور النمطية السلبية التي تُستخدم كغطاء لتبرير التهميش السياسي والاجتماعي.
    المؤسسية كأداة للإقصاء
    إن التعامل مع الكنابي كـ “مشكلة أمنية” أو “إدارية” بدلاً من كونها قضية حقوقية وتنموية، يثبت أن مؤسسات الدولة—التي يُفترض أن تحمي المواطن—قد تحولت إلى أدوات لإدامة التفاوت. لذا، فإن الحلول الجزئية والمسكنات المؤقتة لم تعد تجدي نفعاً، والمخرج الوحيد يكمن في تفكيك الأسس التي قامت عليها الدولة وإعادة بنائها.
    ملامح الدولة المنشودة
    إن شرط الاستقرار والنهوض الوطني يتوقف على إعادة تأسيس الدولة وفق المبادئ التالية:
  • المواطنة المتساوية: جعل الحقوق والواجبات مرتبطة بالانتماء للوطن لا بالانتماء العرقي أو الجهوي.
  • الإصلاح المؤسسي الشامل: إعادة صياغة القوانين لضمان حماية الحق في السكن، والتعليم، والمشاركة السياسية الفاعلة لجميع المكونات.
  • الاعتراف التاريخي: الإقرار الرسمي بالظلم الذي وقع على سكان الكنابي، ووضع قضيتهم في صدارة الأولويات الوطنية كقضية عدالة اجتماعية وحقوق إنسان.

  • خاتمة:
    إن إنصاف الفئات الأكثر تهميشاً، وعلى رأسها سكان الكنابي، هو الاختبار الحقيقي والمقياس الفعلي لمدى جدية أي مشروع وطني يسعى للتحول الديمقراطي. لن يتحقق الاستقرار في السودان ما لم نعبُر فوق إرث التهميش نحو عقد اجتماعي جديد، يضمن الكرامة الإنسانية لجميع السودانيين والسودانيات دون تمييز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى