مقالات

الجميل الفاضل يكتب : هل آن أوان الإقتلاع؟! (2)

بدأت هذه القصة المدهشة، في مساءٍ منسيٍّ من عام 1977، حيث كان الأستاذ محمود محمد طه يحاضر بشمبات، كمن يرى ما لا يُرى، لا يحدّق في الغيب، لكنه ينصت إلى حركة التاريخ وهو يتشكّل كسحائب غاز.
تحدّث عن “السوفات السبع” كدرجاتُ قدرٍ يتصاعد، أو طبولُ زمنٍ يقترب.
لم تكن قصته هذه مجرد نبوءةً تُروي، لكنها كانت مصيراً يُكتب على مهل.
إذ ها هي كلماته القديمة تنهض من رقادها، تلوكها الألسن، بعد أن مشي الإسلاميون علي خطاها الحافر علي الحافر، والنعل بالنعل:
«وسوف يدخلون البلاد في فتنة تحيل نهارها إلى ليل».
هو ليل طويل مُسال، دخلناه منذ ثلاثة سنوات إلا قليلا.
غطي علي نهار الثورة، ونهار الخلاص الذي إنكفأ كطائرٍ مذعور، تاركا الفضاء للظلال.
منذرا بفتنة لا تأتي من بعيد، فتنة إنفجرت بجوف أو صدر الدولة ذاتها.
يتنازعها صوتان:
صوتٌ يريد أن يبقي الرماد حيّاً، وصوتٌ ينفخ في النار لتلتهم كل شيء.
وبالطبع هي فتنة ٌ لا تُرى كاملة، لكن بإمكاننا أن نسمعها في صمت، ونشمّها في الهواء، لنري أصابعها وراء كل خراب.
يجزم الأستاذ محمود قبل 48 عاما، بقوله:
«وسوف تنتهي بينهم»
“بينهم”، ربما لأنه حين تضيق المسافات تقع احتكاكات، تولد حريقا من شأنه أن يأكل نفسه وكل من يطاله بنيرانه.
حريق يجعل الوجوه التي اجتمعت، تتباعد.
والأصوات التي تآلفت، تتصادم.


في حالة لم يعد العدو فيها هو البعيد، بل القريب بأكثر مما يتوقع، الذي يظل هو دائما ملتصقاً بالروح، كظلٍ لا يُفلت.
ومن تجارب الآخرين المشابهه، في لبنان مثلا، نشأت دولةٌ خاصة إلى جوار الدولة الرسمية، مثلها حزب الله، وفي العراق، نبتت قوةٌ داخل القوة، مثلها الحشد الشعبي.. نارهما الآن بالعودين تزكي.
غير أنه في السودان لم تقم مثل هذه الدولة إلى جوار نفسها، ولا في داخلها، بل أنها قد ولدت ممزقةٌ بين نبضين، إذا تصادما، انكسر قلبها ذاته.


مما يقود بالضبط لصورة “الانتهاء بينهم”:
الأمر الذي يهيء الأرض لسوفة الأستاذ الأخيرة:
«وسوف يُقتلعون من أرض السودان إقتلاعاً»
فالإقتلاع هنا لا يبدأ بعاصفة خارجية، لكن بتآكل وتسوس الجذور العميقة.
فالأرضٌ هنا تتزلزل اليوم تحت أقدام أصحابها، السماءٌ تُغلق أبوابها، وصوتٌ ثوري مكبوت يعود كصدي من عمق سبع سنين تقريبا.


علي عكس ما يحدث في طهران، التي حسمت صراعها قبل 47 عاما، لصالح ولاية الفقيه، التي تحرسها قوةٌ الحرس الثوري الإيراني.
في وقت تبددت فيه فكرة الترابي الطوباوية كفقاعة في الهواء.
لم تترك وراءها دولة بالمعني المفهوم كي تبتلع.
لكنها خلفت فقط صراعٌ “كارتيلات” ومصالح، مفتوح كجرحٍ لا يلتئم.
وبالتالي فأنه معلوم بالضرورة عندما يختل التوازن الداخلي، ولا ينجح الاحتواء الخارجي، فإن أي حسم لا يتحقق بشكل كامل ومنظم.
وفي مثل هذا الأوضاع الهلامية، فإن الأرض تتكلم بطريقتها:
تلفظ ما لم يعد قابلاً للبقاء، لتستعيد ما سُلب منها.
كما أنه في مثل هذه اللحظة الفاصلة لا يقع الاقتلاع، كقرارٍ يُتخذ، بل كقدرٍ يقع.


علي أية حال، حين يتكلم التاريخ بصوتٍ عالٍ.
يقول أن الفتنة تمشي كشجر بيننا، وأن الانتهاء يتهيأ، والإقتلاع يقترب، كريحٍ لا تُرى.
فان السؤال الآن لم يعد: هل يحدث؟
إنما: هل نسمع نحن وقع أقدام هذا الذي يحدث؟
وهل يسبق وعينا هذا الانفجار المحتمل، فننجو من الحافة؟، أم نسبقه نحن أنفسنا إلى قاع تلك الهاوية؟.
لنصبح مجرد حكايةً أخرى تُروى في التاريخ؟
المهم ففي السودان اليوم،
لا يأتي مثل هذا المصير دفعةً واحدة، لكنه يتسلل، قطرةً قطرة، الي أن يفيض عن الكوب ويتدفق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى