مقالات

خطيئة “المالية” الطبقية منشور الرواتب الجديد.. فتاتٌ للاتحاديين وسرابةٌ للولايات!


​واقع معاش
اللازم السفير


​في الوقت الذي استبشر فيه العاملون في الدولة خيراً بوعود الإصلاح، خرج علينا المنشور الأخير لوزارة المالية كصدمةٍ لم تكن في الحسبان؛ منشورٌ جاء “مُشوهاً” في صياغته، و”انتقائياً” في عدالته، و”أبتر” في رؤيته الشاملة للبلاد. فبينما غرق المنشور في تفاصيل زيادات القوات النظامية وبعض المؤسسات الاتحادية ذات الإيرادات، أسقط من حساباته عمداً أو سهواً ألآف الموظفين في الولايات، ليطرح السؤال المرّ: هل سقطت الولايات من خارطة اهتمامات المركز؟
​لقد ارتكبت وزارة المالية خطيئة قانونية وإدارية حين استحدثت “علاوة إزالة المفارقات” بمبلغ 120 ألف جنيه مع اشتراط عدم احتسابها في إجمالي المرتب، وهو التفاف محاسبي يحرم الموظف من حقوقه في المعاش والبدلات المرتبطة بالأجر الشامل، ويجعل الزيادة مجرد “تخدير” لحظي لا يؤسس لهيكل راتبي متين. إن تحويل المنشور إلى ديوان الخدمة العامة دون رؤية واضحة لتفسيره سيخلق فوضى إدارية تضاف إلى ركام التشوهات المتراكمة منذ عام 2022، والتي لم تجد طريقاً للتنفيذ في كثير من الأقاليم حتى اللحظة.


​والمفارقة المخجلة في هذا المنشور هي تجاهله التام للعاملين في الولايات، خاصة تلك المتأثرة بالحرب؛ فكيف لوزارة المالية أن تتحدث عن زيادات في المركز بينما هناك موظفون في الولايات لا يتقاضون “ربع دولار” كأجر أساسي؟ وكيف تُترك الولايات لمواجهة مصيرها وهي تعاني انعدام الإيرادات، بينما تتحمل فعلياً أعباءً ومهاماً هي من صميم مسؤولية الوزارة الاتحادية؟ إن حافز “العلاوة الاجتماعية” الذي لا يتجاوز الألف جنيه، وبدل الوجبة الذي يقف عند 7700 جنيه، هي أرقام لا تليق بكرامة إنسان، ناهيك عن موظف دولة يُفترض به تقديم الخدمة للمواطنين في ظل ظروف قاهرة جعلت الراتب لا يشتري “كيلو لحم” واحد.


​لقد كان سقف التوقعات عالياً تجاه حكومة رئيس الوزراء كامل إدريس، لكن إيقاف مقترح تعديل بدل الوجبة والسكن كان بمثابة “رصاصة الرحمة” على آمال الخدمة المدنية. إن التراجع عن مقترح صرف 90 ألف جنيه شهرياً لبدل الوجبة -وهو مبلغ متواضع لا يكاد يكفي لشراء شاي يومي- يعكس فجوة هائلة بين صناع القرار وواقع السوق. وبسبب هذه السياسات، أصبحت الخدمة المدنية منذ عام 2020 تدار بمنطق “من يصرخ أكثر يأخذ أكثر”، مما أدى لتشوهات هيكلية لا تتحمل التجزئة وتسببت في ربكة واسعة في السجلات الراتبية.


​ختاماً، يجب على وزارة المالية أن تدرك أن وحدة الخدمة المدنية لا يمكن تجزئتها إلى “مدللين” في المركز و”منسيين” في الولايات، وأن استقرار الدولة يبدأ من استقرار لقمة عيش الموظف في أصغر وحدة إدارية.

المنشور الأخير ليس مجرد ورقة إدارية، بل هو مرآة لسياسة تفتقر للحس الوطني الشامل، والمطلوب الآن هو البحث عن حقوق الموظف السوداني أينما كان، بعيداً عن سياسة التهميش المالي التي أرهقت كاهل الولايات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى