مقالات

نفيسة حجر تكتب : استئناف “تفكيك التمكين” : ضرورة قانونية لا تقبل التأجيل لمواجهة شريعة الغاب


​بقلم : المحامية نفيسة حجر


​في لحظات الانكسار الوطني، حيث تعلو أصوات الرصاص على صوت القانون، تبرز تساؤلات مشروعة حول “مشروعية الأداء” في ظل غياب الغطاء الدستوري المستقر. إن إعلان لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو استئناف أعمالها في هذا التوقيت العصيب ليس مجرد حراك سياسي، بل هو “انتفاضة قانونية” تمليها مسؤولية حماية المركز القانوني للدولة السودانية وأصولها المنهوبة التي باتت اليوم عُرضة للتبديد تحت ستار الحرب وفوضى السلاح.


​قانونياً، إن الدولة ككيان معنوي لا تموت بانهيار الحكومات، والمؤسسات التي نبعت من إرادة دستورية شعبية تظل قائمة بـ “قوة الاستمرارية”. ولتبسيط هذا المفهوم، فإن القانون والمؤسسات ليست مثل “مفتاح الكهرباء” الذي ينطفئ بمجرد خروج الحكومة من السلطة بل هي مثل “بنيان البيت” الذي يظل ثابتاً بقواعده حتى لو غاب سكانه. إن “قانون التفكيك” لم يُلغَ بتشريع اخر، بل جُمّد بإجراءات قسرية في 25 أكتوبر لقطع الطريق أمام كشف شبكات الفساد، والعودة للعمل اليوم هي عودة للأصل القانوني الصحيح الذي كان ينتظر لحظة استعادة دوره الوطني لحماية أموال الشعب من “شريعة الغاب”.


​وحين نتحدث عن “الالتزامات الكونية”، فنحن نعني أن سرقة أموال الشعوب لم تعد شأناً داخلياً فالعالم اليوم ينظر لنهب المال العام باعتباره جريمة لا تسقط بالتقادم. إن انضمام السودان للمعاهدات الدولية لمكافحة الفساد يفرض ملاحقة كل قرش سُرق من جيب المواطن، سواء كان مخبأً في خزائن داخلية أو في قصور واستثمارات مشبوهة خلف البحار.
إن استئناف عمل اللجنة هو تنفيذ لهذا العقد الدولي، خاصة وأن تلك الأموال المنهوبة منذ 1989 تحولت اليوم إلى وقود لإدارة هذه الحرب العبثية.


​وإن تساءل البعض عن آليات التنفيذ في ظل تعطل الأجهزة الميدانية، فإننا نؤكد أن القانون يمتلك اليوم “أذرعاً طويلة” تتجاوز الجغرافيا وتعطيل الأجهزة الأمنية المحلية. فبمجرد ملاحقة اللجنة لهذه الأصول وتصنيفها كأموال مشبوهة، تتحول إلى “أموال مسمومة” في النظام المصرفي العالمي، وتخضع للتجميد التلقائي بموجب قوانين مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، مما يغل يد الفاسدين عن التصرف فيها حتى وإن تعذر الوصول إليها مادياً في ظل ظروف الحرب.


​لذلك يجب على اللجنة ان تؤكد، من منصة الالتزام المهني، أن كافة إجراءات اللجنة من رصد وحجز هي عهدة قانونية ستوضع أمام “القضاء الطبيعي” فور توفر شروط المحاكمة العادلة.
إن استئناف عمل اللجنة هو الرسالة الأقوى بأن “دولة المؤسسات” قادمة لا محالة، وأن سيادة حكم القانون ستبقى هي المرجعية الوحيدة التي لا تكسرها الانقلابات ولا تحرقها نيران الحروب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى