مقالات

محرقة “الذهب الأسمر” حينما تصبح لقمة عيش المواطن السوداني وقوداً للحرب

​واقع معاش //
اللازم السفير //
​في مشهدٍ يدمي القلوب ويجسد قمة المأساة السودانية، ظهرت ألسنة اللهب وهي تلتهم شاحنات محملة بمحصول الفول السوداني في طريقها من مناطق الإنتاج بغرب كردفان إلى مدينة الأبيض. هذه الجريمة النكراء التي ارتكبتها مليشيات الدعم السريع المتمردة لم تكن مجرد حادثة عارضة، بل هي تنفيذ أعمى لقرارات ما يسمى “حكومة التأسيس” التابعة للمليشيا، والتي تزعم زوراً أنها جاءت لنصرة “المهمشين”، فإذا بها تمارس ضدهم أبشع أنواع التهميش والفقر عبر حرق عرق المزارع الكادح وتبديد رأس مال التاجر البسيط، في سلوك بربري لا يبني دولة ولا يراعي ديناً أو أخلاقاً.


​ هذا الاستهداف الممنهج يعكس فشلاً أخلاقياً ووجودياً؛ فالدولة لا تُبنى بحرق أقوات الناس، والمليشيا بقرارها منع نقل المحاصيل، لا تخوض حرباً ضد جيش، بل تخوض حرباً انتقامية ضد إنسان المنطقة الذي تتباكى بتمثيله، وتجبره على دفع ثمن “حرب اقتصادية” خاسرة، بينما يبارك بعض الناشطين المحسوبين عليها هذا “الحريق” بدافع الاستقطاب العرقي المقيت، في سقوط قيمي مخزٍ لم يراعِ حرمة المال ولا أنين الجائعين.


​وعلى الميزان الآخر من هذه المأساة، فإن المسؤولية الوطنية تحتم علينا مخاطبة قيادة الدولة. و نرفع هذا النداء إلى رئيس وأعضاء مجلس السيادة الانتقالي، بضرورة التدخل العاجل لمراجعة قرارات بعض الولاة المتعلقة بمنع انسياب السلع الاستهلاكية والمحاصيل لمناطق تخضع قسراً لسيطرة التمرد.
هذه القرارات، وإن كانت بدوافع أمنية، إلا أنها تضرب في صميم صمود المواطن السوداني. فليس كل من يقطن تلك المناطق ظهيراً للمليشيا؛ هناك ملايين السودانيين في ولايات كردفان ودارفور ، وجدوا أنفسهم تحت سياسة “الأمر الواقع” ولم يغادروا ديارهم لضيق ذات اليد، وهم يعيشون اليوم بين مطرقة ذل المليشيا وسندان القرارات الإدارية التي تخنق أرزاقهم.


​ عملية منع السلع وحجز المحاصيل تضع فوق كاهل هؤلاء الصابرين ضغوطاً إضافية لا تخدم معركة الكرامة، بل تضعف الجبهة الداخلية وتضر بالتاجر والمنتج الوطني. هؤلاء المواطنون الذين صبروا على الأذى، قلوبهم مع شرعية الدولة، وأبناؤهم اليوم يتقدمون صفوف القوات المسلحة وجهاز المخابرات والقوات المساندة، يقدمون أرواحهم شهداء في سبيل تحرير أهاليهم. هؤلاء الأبطال وأسرهم يستحقون منا قرارات رحيمة تعزز صمودهم وتفرق بين المتمرد المعتدي والمواطن المغلوب على أمره.


و تحويل الغذاء إلى سلاح سواء بالحرق الغاشم من قبل المليشيا أو بالمنع الإداري- هو معركة خاسرة تنهش في “عظم” الوطن. و الاقتصاد السوداني وحدة لا تتجزأ، وحماية أرزاق العباد هي الضامن الحقيقي للاستقرار. نأمل من مجلس السيادة متمثلة في سيادة الرئيس الفريق اول ركن عبدالفتاح البرهان توجيه الولاة بمراعاة الجوانب الإنسانية والاقتصادية في قراراتهم، صوناً لكرامة المواطن ودعماً لمسيرة التحرير.
​رحم الله الشهداء، وحفظ الله السودان أرضاً وشعباً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى