مقالات

عبدالله موسي يكتب : الدولة العميقة في السودان

عبدالله موسى احمد
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
١٧ مارس ٢٠٢٦

كيف حاصرت شبكات النظام القديم ثورة 19 ديسمبر!!!
خرج السودانيون وطلاب المدارس من الريف السوداني العريض والعاصمة في ديسمبر 2018 إلى الشوارع احتجاجًا على ارتفاع أسعار الخبز والوقود. ولم يكن كثيرون يتوقعون أن تلك الشرارة الصغيرة ستتحول إلى واحدة من أهم اللحظات السياسية في تاريخ السودان الحديث وتولد ثورة سودانية فى 2018–2019.


لكن بعد سقوط نظام عمر حسن أحمد البشير في أبريل 2019 اكتشف الثوار أن المعركة الحقيقية لم تكن مع الرئيس فقط بل انها مع شبكة أوسع وأعمق داخل الدولة نفسها الا وهي الشبكة التي باتت تُعرف في الأدبيات السياسية باسم الدولة العميقة.
هذا السؤال ظل يلاحق التجربة السودانية العاقبة ومنذ سقوط النظام كيف عملت الدولة العميقة على احتواء ثورة شعبية أسقطت واحدًا من أكثر الأنظمة رسوخًا في المنطقة.


ولم تكن الدولة العميقة في السودان مجرد مصطلح سياسي فضفاض لكنها كانت في جوهرها دولة داخل الدولة فخلال ثلاثة عقود من حكم الحركة الإسلامية جرى بناء منظومة متشابكة من الولاءات داخل الجيش والأمن والاقتصاد والإدارة العامة لتتحكم في مفاصل الدولة.


منذ انقلاب عام 1989 الذي أوصل عمر حسن أحمد البشير إلى السلطة بدعم من تيار حسن عبد الله الترابي بدأت عملية منهجية لما سُمّي آنذاك بسياسة التمكين
كان الهدف الواضحً هو إعادة تشكيل مؤسسات الدولة بحيث تصبح أداة بيد المشروع السياسي للحركة الإسلامية أو ما عُرف آنذاك بـالمشروع الحضاري.
كانت النتيجة قيام دولة مزدوجة دولة رسمية بوزاراتها وقوانينها ومؤسساتها ودولة خفية من الشبكات الحزبية والاقتصادية والأمنية.
هذه الشبكات لم تختفِ بسقوط الرئيس البشير الذي كان يمثل رأس النظام فقط.


عندما سقط الرأس وبقي الجسد وعندما أعلن الجيش في أبريل 2019 إطاحة البشير خرجت الجماهير إلى الشوارع احتفالًا بسقوط النظام لكن داخل مؤسسات السلطة كان المشهد مختلفًا تمامًا، تسلّم المجلس العسكري الانتقالي بقيادة عبد الفتاح البرهان زمام الحكم بوثيقة شاركة فيها القوات المسلحة وبرز إلى جانبهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو قايد للدعم السريع قيادةالحراك الثورى ممثل فى تحالف الحرية والتحرير.


ام بالنسبة لعدد من قادة الحراك الثورى لم يكن ذلك انتصارًا كاملًا للثورة وبل بدا وكأنه عملية إعادة ترتيب داخل بنية السلطة نفسها.
كثير من الناشطين والسياسيين الذين شاركوا في الحراك الثورى كانوا يقولون إن النظام لم يسقط بالكامل ولكن أُزيح رأسه فقط.


كان الأمن خط الدفاع الأول للدولة العميقة فطوال سنوات حكم البشير لعب جهاز الأمن والمخابرات الوطني دور العمود الفقري للنظام. امتلك الجهاز شبكة واسعة من الشركات والاستثمارات إضافة إلى نفوذ كبير داخل مؤسسات الدولة وعندما بدأت الثورة كان هذا الجهاز أول من تحرك لإيقافها.
وثّقت منظمات حقوقية استخدام القوة المفرطة وعمليات الاعتقال الجماعي لكن أكثر اللحظات دموية جاءت في يونيو 2019 خلال مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم.


كان الاعتصام يمثل القلب الرمزي للثورة وعندما فُضّ بالقوة فجرًا تحولت تلك اللحظة إلى واحدة من أكثر اللحظات الصادمة في تاريخ الحراك الثورى السوداني.
لا يزال كثير من السودانيين يرون أن تلك المجزرة كانت الرسالة الأقسى من الدولة العميقة للثوار ورسالة تقول بوضوح نحن ما زلنا هنا وكما كلنت هناك حرب خفية داخل مؤسسات الدولة فعندما تولى دكتور عبد الله حمدوك رئاسة الحكومة الانتقالية وبدأ مشروع إصلاح واسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة.


لكن داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية واجهت الحكومته مقاومة صامتة.
تحدث مسؤولون في الحكومة الانتقالية آنذاك عن مظاهر متعددة لهذه المقاومة، من بينها
تعطيل متعمد لتنفيذ القرارات وإخفاء ملفات مالية وإدارية وشبكات بيروقراطية تعرقل مسار الإصلاح.
كانت هذه المقاومة أقل صخبًا من المواجهات في الشارع لكنها ربما كانت أكثر تأثيرًا وخطورة.


فالاقتصاد والإمبراطورية الخفية خلال سنوات حكم البشير نشأت منظومة اقتصادية موازية داخل الدولة.
فقد ظهرت شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية سيطرت على قطاعات استراتيجية مثل الذهب والصادرات والزراعة والنقل والاستيراد


عندما أُنشئت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو لاستعادة الأموال العامة دخلت في مواجهة مباشرة مع شبكات النفوذ التابعة للنظام السابق ولكن هذا الصراع لم يستمر طويلًا.
ففي أكتوبر 2021 أطاح الجيش بحكومة الشراكة المدنية في خطوة وصفها كثيرون بأنها انقلاب على مسار الثورة بقيادة عبد الفتاح البرهان.
تم حل لجنة التفكيك وعادت ملفات كثيرة إلى لحالها فى النظام السابق.
فالثورة بعد أربع سنوات من سقوط البشير دخل السودان في واحدة من أسوأ أزماته عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.


لم تكن هذه الحرب مجرد صراع بين جنرالين انها كشفت هشاشة الدولة التي حاولت الثورة إعادة بنائها.
المفارقة المؤلمة أن الثورة التي خرجت لإنهاء حكم العسكر انتهت بدولة تغرق في صراع عسكري مفتوح.
وهنالك سؤال بلا إجابة
اليوم وبعد سنوات من اندلاع الثورة السودانية 2018–2019 لا يزال يوجد سؤال يطرحه كثيرا من السودانيين هل فشلت الثورة أم أن الدولة العميقة كانت ببساطة أقوى مما تصور الجميع!
التجربة السودانية تكشف درسًا قاسيًا في السياسة
إسقاط النظام قد يحدث في اي لحظة تاريخية ولكن تفكيك الشبكات التي صنعتها قد يستغرق وقت وجيلًا واجيال كاملة وهنا كما يقول المثل يكمن مربط الفرس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى