أخلاقيات العطاء حين يطغى “المشهد” على قدسية الإنسانالفقر ليس جريمة بل هو ابتلاء، و انتهاك خصوصية الفقير خطيئة أخلاقية

أخلاقيات العطاء حين يطغى “المشهد” على قدسية الإنسان
الفقر ليس جريمة بل هو ابتلاء، و انتهاك خصوصية الفقير خطيئة أخلاقية
واقع معاش///
اللازم السفير ///
استوقفتني صورة لأمٍ مسنة وهي تتسلم سلتها الغذائية؛ مشهدٌ قد يراه البعض توثيقاً للعطاء، لكنه في جوهره يخدش نبل العمل الإنساني ويحيله من رسالة سامية إلى مشهد دعائي يفتقر للحساسية. إن وقوف تلك الأم، أو أرملة الشهيد، في طابور الانتظار لتتسلم حقها أمام عدسات الكاميرا، بينما يقدمه المسؤول بابتسامة عريضة وكأنه يمنح “شهادة تكريم”، هو في الحقيقة فعلٌ يكسر عين المحتاج بدلاً من أن تجبر خاطره، ويحول “الحق الإنساني” الأصيل إلى “مكرمة سلطوية” تُعرض على الملأ.
إن هذا السلوك يغفل حقيقة أن اليد التي تُعطي لا يجب أن تكسر العين، فالمحتاج الذي ساقته الظروف القاسية لهذا الموقف لم يغادر كرامته عند باب الجمعية، ومن حقه الأصيل أن يتسلم دعمه في خفاء تام، بعيداً عن أضواء الفلاشات التي تخلّد لحظة انكساره وتجعل منها “محتوى” للتداول الرقمي. وهنا تبرز المسؤولية الأخلاقية للناشط والمصور، التي تتجاوز مجرد الضغط على زر الكاميرا؛ فالمصور الحقيقي هو حارس للقيم قبل أن يكون ناقلاً للصورة، وهذا يفرض عليه رفض “مشاهد التكريم” المصطنعة والامتناع عن استغلال حالة الضعف لإنتاج محتوى بصري، حتى وإن كان الهدف المعلن هو الشفافية أمام المتبرعين.
إن الاستمرار في نشر صور الأطفال والنساء وهم في حالة عوز شديد يترك ندوباً نفسية لا تندمل، وقد تلاحق هؤلاء الصغار في مستقبلهم كبصمة فقر وُثقت للأبد في ذاكرة المجتمع. لذا، يتوجب على الإعلام الإنساني أن يرتقي بأساليبه عبر تبني “فقه الستر”، بحيث يتم توثيق العمليات اللوجستية وتجهيز القوافل دون انتهاك خصوصية الوجوه المكلومة، مؤكدين على أن الفقر ليس جريمة بل هو ابتلاء، أما انتهاك خصوصية الفقير فهو الخطيئة الأخلاقية التي يجب أن تتوقف فوراً. ليكن شعارنا دائماً أن كرامة الإنسان أقدس من صكوك الشفافية، ولنجعل من عطائنا جسراً للعبور نحو الكفاية لا قيداً من الذل والتشهير.
https://www.facebook.com/share/p/1CZyucyH1T/


