تراجع الاهتمام الدولي بحرب السودان تحولات الأجندة الدولية ؟

كتب : حسين سعد
في عالمٍ تتنازع فيه الأزمات والحروب على مساحة الاهتمام الدولي، لم تعد المآسي الإنسانية تُقاس فقط بحجم الكارثة التي تخلفها، بل بمدى قدرتها على اختراق أجندة السياسة الدولية ووسائل الإعلام العالمية، فالعالم المعاصر، الذي يعيش حالة من التشبع بالأزمات المتزامنة، حيث تتنافس الحروب والنزاعات على جذب انتباه الحكومات ووسائل الإعلام والجمهور العالمي، وفي هذا السياق، تبدو الأزمة السودانية واحدة من أكثر الأزمات التي دفعت ثمن هذا التنافس غير المتكافئ.
معاناة مستمرة :
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت البلاد إلى مسرح لأحد أخطر الانهيارات الإنسانية في العالم، فقد تسببت الحرب في نزوح ملايين المدنيين داخل البلاد وخارجها، وإ نهيار الخدمات الأساسية، وتفاقم أزمة الغذاء ، وتدمير البنية التحتية، وتعطّل الإنتاج الزراعي والحيواني، وتفاقم مستويات النزوح والمجاعة، تتجلى الأزمة الإنسانية في السودان اليوم بوصفها واحدة من أعمق المآسي التي شهدتها البلاد في تاريخها الحديث، مأساة لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل بتمدد الألم في تفاصيل الحياة اليومية لملايين البشر.
فمنذ اندلاع الحرب الكارثية، إنقلبت حياة الناس رأساً على عقب، وتحوّلت المدن والقرى إلى مساحات خوف مفتوحة، ووجد الملايين أنفسهم فجأة بلا مأوى، بلا دخل، وبلا أفق واضح للغد، الحرب لم تكتفِ بتدمير البيوت والبنى التحتية، بل كسرت شبكات الأمان الاجتماعي، ودفعت بأسرٍ كاملة إلى حافة الجوع واليأس نساء وأطفال بلا غذاء ولا دواء، و يمتد الجوع كظل ثقيل على البلاد، مع انهيار سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء وغياب فرص العمل، ليصبح الحصول على وجبة واحدة يومياً معركة بحد ذاتها، وفي موازاة ذلك، ينهار النظام الصحي تحت وطأة الحرب، فتغيب المستشفيات، وتنقطع الأدوية المنقذة للحياة، ويواجه المرضى—خصوصاً الأطفال وكبار السن والحوامل—مصيراً قاسياً بين العجز والفقد، لم يعد المرض مجرد حالة صحية، بل حُكماً بالإقصاء والموت البطيء في أماكن لا يصلها طبيب ولا دواء، أما معسكرات النزوح ومراكز الإيواء داخل البلاد، فقد تحولت إلى فضاءات مكتظة بالبشر ومفتوحة على كل أشكال الهشاشة، خيام مهترئة، ومياه غير آمنة، وخدمات صحية شبه معدومة، ونساء يحملن عبء الإعالة والحماية في ظروف قاسية، وأطفال يكبرون خارج مقاعد الدراسة وتحت وقع الصدمات.
وفي معسكرات اللجوء خارج الحدود، تتكرر المأساة بأشكال أخرى؛ اغتراب قاسٍ، فقدان للهوية، وصراع يومي من أجل الاعتراف والعيش الكريم. هكذا تمتد الأزمة خارج الجغرافيا، لتصبح معاناة عابرة للحدود، لكنها تظل سودانية الملامح والوجع، ورغم ضخامة هذه الكارثة الإنسانية، فإنها لم تحظَ بالاهتمام الدولي المستمر الذي يتناسب مع حجمها، بل تراجعت تدريجياً في سلم الأولويات العالمية.
حروب ونزاعات :
ويعود جزء كبير من هذا التراجع إلى التغيرات المتسارعة في النظام الدولي، حيث تزاحمت عدة أزمات كبرى على صدارة المشهد العالمي، أبرزها الحرب في أوكرانيا، والحرب في غزة، وأخيراً التصعيد العسكري في منطقة الخليج هذه الأزمات، بحكم موقعها الجيوسياسي وتأثيرها المباشر على الأمن الدولي والاقتصاد العالمي، استطاعت أن تستحوذ على القدر الأكبر من الاهتمام السياسي والإعلامي، الأمر الذي أدى إلى تهميش الحرب في السودان وتحويلها إلى ما يشبه (الحرب المنسية) لا يمكن فهم تراجع الاهتمام الدولي بحرب السودان بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فالعالم يعيش اليوم حالة من إعادة تشكيل التحالفات والصراعات الكبرى، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى مع الأزمات الإقليمية، ما يجعل بعض النزاعات تحظى بأولوية أكبر في حسابات السياسة الدولية، وفي هذا السياق، تصبح الحروب التي ترتبط بمصالح استراتيجية مباشرة للقوى الكبرى أكثر حضوراً في الإعلام والسياسة، بينما تتراجع النزاعات التي تُصنف ضمن الأزمات الإنسانية البعيدة.
حرب الشرق الأوسط:
إن حرب الخليج، بوصفها أزمة ذات أبعاد استراتيجية واقتصادية عالمية، تمثل مثالاً واضحاً على هذا التحول، فالتوتر في منطقة الخليج لا يتعلق فقط بصراع إقليمي، كما أشرنا لذلك في تحليلنا السابق ( حرب الخليج وأثرها علي بناء السلام في السودان ) بل يمس مباشرة أمن الطاقة العالمي، وممرات التجارة الدولية، وتوازنات القوى في الشرق الأوسط، ولذلك، فإن أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة يستقطب تلقائياً اهتماماً إعلامياً وسياسياً واسعاً، غالباً على حساب أزمات أخرى لا تقل خطورة من حيث التأثير الإنساني.
في هذا السياق، يتطلب فهم تراجع الاهتمام بحرب السودان تحليلاً أعمق يتجاوز البعد الإنساني، ليشمل ديناميات الإعلام الدولي، وتوازنات القوى العالمية، وآليات تشكيل الأجندة السياسية والإعلامية، فالحروب لا تُقاس فقط بما يحدث على الأرض، بل أيضاً بكيفية تمثيلها في الخطاب الإعلامي والسياسي العالمي.
أولاً: أدى اندلاع الحرب في السودان إلى خلق واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر، فقد شهدت البلاد كما أشرنا لذلك في بداية هذا التقرير شهدت انهياراً شبه كامل لمؤسسات الدولة في مناطق واسعة، مع انتشار العنف المسلح وتدمير البنية التحتية الأساسية، كما أدى النزاع إلى نزوح ملايين المواطنين داخلياً وخارجياً، ما شكل ضغطاً كبيراً على دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا.
لكن المفارقة أن هذه الكارثة الإنسانية لم تتحول إلى أولوية دولية مستدامة، بل بقيت في هامش الاهتمام الدولي، ويرجع ذلك جزئياً إلى طبيعة الحرب نفسها، التي تُصنف غالباً كصراع داخلي معقد لا يرتبط بشكل مباشر بالمصالح الاستراتيجية الكبرى للقوى العالمية، كما أن تعدد الأطراف المسلحة وتشابك التحالفات المحلية والإقليمية جعل من الصعب على المجتمع الدولي صياغة مقاربة واضحة لحل الأزمة، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد الحرب وإضعاف الجهود الدبلوماسية.
ثانياً: منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تحولت أوروبا إلى مركز الصراع الجيوسياسي العالمي، حيث انخرطت الولايات المتحدة وحلفاؤها في دعم أوكرانيا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وقد أدى ذلك إلى توجيه جزء كبير من الموارد الدبلوماسية والإعلامية نحو هذه الحرب، لاحقاً، جاءت الحرب في غزة لتضيف بعداً جديداً للأزمة الدولية، حيث تركز الاهتمام العالمي على تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، وما يحمله من مخاطر توسع إقليمي، في ظل هذين الصراعين الكبيرين، تراجع الاهتمام الإعلامي والسياسي بالحرب في السودان، التي بدت بالنسبة للعديد من الفاعلين الدوليين أقل تأثيراً على التوازنات الجيوسياسية الكبرى.
ثالثاً: حرب الخليج وتحول بوصلة الاهتمام الدولي مع تصاعد التوتر في منطقة الخليج، دخل العالم مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والعسكري، فالخليج يمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والتجارة الدولية. لذلك، فإن أي تصعيد في هذه المنطقة يحظى بمتابعة مكثفة من الحكومات ووسائل الإعلام، وقد أدى هذا التصعيد إلى إعادة ترتيب أولويات الاهتمام الدولي، حيث أصبحت أزمة الخليج في صدارة النقاشات السياسية والإعلامية، هذا التحول ساهم بشكل مباشر في تراجع الاهتمام بالحرب في السودان، التي لم تعد تحظى بالتغطية الإعلامية نفسها التي كانت تحظى بها في بداية النزاع.
رابعاً : تلعب وسائل الإعلام العالمية دوراً محورياً في تحديد الأزمات التي تحظى بالاهتمام الدولي. فالتغطية الإعلامية لا تعكس فقط حجم الكارثة الإنسانية، بل تتأثر أيضاً بعوامل مثل الموقع الجغرافي للصراع، وتأثيره على المصالح الاقتصادية والسياسية الكبرى، في هذا الإطار، يمكن القول إن السودان يعاني من فجوة الاهتمام الإعلامي، حيث لا يحظى النزاع فيه بنفس المستوى من التغطية مقارنة بأزمات أخرى، كما أن طبيعة الحرب في السودان، التي تتسم بالتعقيد وتعدد الأطراف، تجعل من الصعب على وسائل الإعلام تقديم رواية واضحة وسهلة الفهم للجمهور العالمي.
خامساً: إن آثار التراجع الإعلامي على الأزمة الإنسانية بحرب السودان لا يقتصر تأثيره على مستوى الوعي العالمي، بل ينعكس أيضاً على حجم الدعم الإنساني والضغط السياسي لإنهاء الحرب، ففي كثير من الحالات، يلعب الإعلام دوراً مهماً في دفع الحكومات والمنظمات الدولية إلى التحرك، وعندما تتراجع التغطية الإعلامية، يتراجع معها مستوى الاهتمام السياسي والتمويل الإنساني، وهذا ما يفسر جزئياً الفجوة الكبيرة بين حجم الاحتياجات الإنسانية في السودان وحجم التمويل الدولي المتاح للاستجابة لهذه الأزمة.
مقترحات حلول:
عودة السودان إلى منصة الاهتمام العالمي، تتطلب تحركات إعلامية ، وسياسية ودبلوماسية وإنسانية تشمل بناء تحالف إعلامي دولي يركز على تغطية الأزمة السودانية بشكل مستمر ومنهجي، وتوظيف الصحافة الاستقصائية لكشف الانتهاكات الإنسانية وإبراز آثار الحرب على المدنيين، و تعزيز دور الإعلام السوداني في الشتات في نقل الرواية السودانية إلى المنصات العالمية، وإنتاج محتوى رقمي مؤثر يستهدف الجمهور العالمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والعمل مع منظمات حقوق الإنسان الدولية لتوثيق الانتهاكات وربطها بحملات إعلامية دولية، وإطلاق مبادرات دبلوماسية إعلامية تربط الأزمة السودانية بالقضايا العالمية مثل الهجرة والأمن الإقليمي. والإستفادة من المؤتمر الذي تخطط ألمانيا لاستضافته في أبريل القادم لجمع مساعدات طارئة للسودان، وقالت ناطقة باسم وزارة الخارجية الألمانية: ما زال العديد من الناس يعانون ويموتون هناك، إنهم ضحايا الجوع والعطش والنزوح والاغتصاب». وأضافت أن مؤتمراً سيعقد لمناسبة ذكرى اندلاع الحرب في 2023 في أبريل ، وقالت المتحدثة بأن أكبر أزمة إنسانية في العالم زجّت بالفعل بملايين المدنيين في الفقر، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف. وأضافت أن ألمانيا تبذل كل ما في وسعها، سياسياً وإنسانياً، لمساعدة الناس على الأرض ولوضع حد للقتال.
دلالات عقد مؤتمر المانيا:
تمثل المبادرة الألمانية محاولة لإعادة تسليط الضوء على الكارثة الإنسانية السودانية، وإعادة تعبئة الموارد المالية والسياسية لمواجهة الانهيار المتسارع للأوضاع الإنسانية، غير أن نجاح هذا المؤتمر لا يعتمد فقط على عقده، بل على قدرته على تجاوز إخفاقات المؤتمرات السابقة وتحويل التعهدات المالية إلى استجابة إنسانية فعالة ومستدامة، ويعكس قرار ألمانيا استضافة مؤتمر دولي لدعم السودان عدداً من الدلالات السياسية والإنسانية المهمة:
أولاً، يشير إلى إدراك متزايد لدى بعض الدول الأوروبية بأن الأزمة السودانية لم تعد مجرد نزاع داخلي، بل أصبحت أزمة إقليمية تهدد الاستقرار في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، فاستمرار الحرب أدى إلى موجات نزوح هائلة باتجاه دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، ما يزيد الضغط على هذه الدول الهشة أصلاً.
ثانياً، يمثل المؤتمر محاولة أوروبية لإعادة القيادة في ملف السودان، خاصة في ظل تراجع الدور الأمريكي بعد قرار تجميد جزء من المساعدات الخارجية في عام 2025، وهو القرار الذي أدى إلى تعطيل برامج إنسانية حيوية، نظراً لأن الولايات المتحدة كانت تمثل نحو 44٪ من التمويل الإنساني للسودان.
ثالثاً، يأتي المؤتمر في ظل أزمة تمويل حادة تواجه المنظمات الإنسانية الدولية، فبرنامج الأغذية العالمي يواجه عجزاً كبيراً في التمويل يهدد بخفض الحصص الغذائية لملايين السودانيين، بينما أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تقليص ميزانيتها لعام 2026، وهو ما ينعكس مباشرة على برامج الإغاثة في السودان.
رابعاً: فشلت المؤتمرات السابقة في تحقيق اختراق حقيقي؟ بالرغم من عقد مؤتمرات دولية لدعم السودان في باريس عام 2024 ولندن عام 2025، فإن تأثيرها ظل محدوداً للأسباب التالية:
أولاً: غالباً ما تعلن الدول عن تعهدات مالية كبيرة خلال المؤتمرات، لكن نسبة كبيرة منها لا تُنفذ فعلياً، أو يتم صرفها ببطء شديد
ثانياً: تعاني الاستجابة الإنسانية للسودان من تعدد المبادرات الدولية والإقليمية دون وجود إطار تنسيق فعال، ما يؤدي إلى تكرار الجهود في بعض المناطق وغيابها في مناطق أخرى.
ثالثاً: القيود الأمنية واللوجستية، واستمرار القتال عرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق واسعة، خاصة في دارفور ، وكردفان.
رابعاً: تراجع الاهتمام الإعلامي العالمي للحرب في السودان بسبب انشغال العالم بأزمات أخرى، وإنفجار حرب الخليج ،الأمر الذي انعكس سلباً على حجم التضامن الدولي والتمويل الإنساني
التحديات التي تواجه مؤتمر ألمانيا :
من المتوقع أن يواجه المؤتمر عدة تحديات رئيسية، أبرزها
أولاً: يواجه المجتمع الدولي أزمات متعددة في الوقت ذاته، ما يجعل المنافسة على التمويل الإنساني أكثر صعوبة.
ثانياً: يجد المانحون صعوبة في ضخ أموال كبيرة في بيئة نزاع مفتوحة دون وجود مسار سياسي واضح لإنهاء الحرب.
ثالثاً: انهيار مؤسسات الدولة في العديد من المناطق يجعل إيصال المساعدات أكثر تعقيداً ويزيد مخاطر الفساد أو سوء الإدارة.
رابعاً: لكي يتحول المؤتمر الألماني إلى نقطة تحول في الاستجابة الدولية للأزمة السودانية، ينبغي التركيز على مجموعة من الخطوات العملية التالية:
1-ربط العمل الإنساني بالحل السياسي لانه يمكن فصل الأزمة الإنسانية عن الأزمة السياسية، لذلك يجب أن يترافق المؤتمر مع جهود دبلوماسية مكثفة لدفع الأطراف السودانية نحو، وقف إطلاق النار، لأن استمرار الحرب يبدد أي أثر للمساعدات الإنسانية.
2-يجب إنشاء آلية دولية لمتابعة تنفيذ التعهدات المالية التي ستعلن خلال المؤتمر، لضمان تحويلها إلى تمويل فعلي يصل إلى المحتاجين.
3-توسيع قاعدة المانحين ، وإشراك المؤسسات المالية الدولية، والقطاع الخاص العالمي، وإنشاء صندوق إنساني دولي خاص بالسودان متعدد المانحين مخصص للاستجابة الإنسانية في السودان، يضمن تمويلاً مستداماً بعيداً عن التقلبات السياسية.
4- يجب توجيه الجزء الأكبر من التمويل لدعم برامج الغذاء والزراعة، بما في ذلك دعم الإنتاج الزراعي المحلي
5- نجاح المؤتمر يتطلب حملة إعلامية دولية واسعة لإعادة وضع الأزمة السودانية على جدول الاهتمام العالمي، وإبراز حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها المدنيون
6: تمتلك ألمانيا والاتحاد الأوروبي القدرة على لعب دور قيادي في دعم السودان من خلال زيادة التمويل الإنساني، ودعم المبادرات الدبلوماسية لوقف الحرب، والضغط على الأطراف المتحاربة لاحترام القانون الإنساني الدولي، ودعم دول الجوار التي تستضيف ملايين اللاجئين السودانيين، كما يمكن لألمانيا أن تعمل على توحيد الجهود الأوروبية وتنسيقها مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
أخيراً: يمثل المؤتمر المزمع عقده في ألمانيا فرصة مهمة لإعادة إحياء الاهتمام الدولي بالأزمة الإنسانية في السودان، لكنه في الوقت ذاته اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر، فنجاح المؤتمر لن يقاس فقط بحجم التعهدات المالية التي سيتم الإعلان عنها، بل بقدرته على تحويل تلك التعهدات إلى دعم فعلي ينقذ ملايين السودانيين من الجوع والنزوح والموت.
كما أن الاستجابة الإنسانية، مهما بلغت أهميتها، لن تكون كافية ما لم تترافق مع جهود سياسية جادة لإنهاء الحرب، فالسودان اليوم يقف اليوم على حافة كارثة إنسانية غير مسبوقة، وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل سريع وفعال، فإن ثمن التقاعس لن تدفعه فقط الأجيال الحالية من السودانيين، بل سيؤثر أيضاً على استقرار المنطقة بأكملها لسنوات طويلة قادمة، لان تراجع الاهتمام الدولي بالحرب في السودان لا يعني أن هذه الأزمة أقل خطورة من غيرها، بل يعكس خللاً في آليات تشكيل الأجندة الدولية، حيث تتفوق الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية في كثير من الأحيان على الاعتبارات الإنسانية؟ إن إعادة السودان إلى منصة الاهتمام العالمي ليست مجرد قضية إعلامية، بل هي ضرورة إنسانية وسياسية، تتطلب جهداً منسقاً بين الإعلاميين والنشطاء والمنظمات الدولية والدبلوماسيين لإعادة تسليط الضوء على هذه المأساة المنسية؟




