أخبار

الزراعة من أجل السلام في السودان – رؤية استراتيجية (1)

الزراعة من أجل السلام في السودان – رؤية استراتيجية (1)
كتب : حسين سعد


في لحظة تاريخية فارقة يمر بها السودان، حيث تتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية مع واحدة من أعقد الحروب في تاريخه المعاصر، يبرز السؤال الجوهري الذي ظل يلاحق الدولة السودانية منذ نشأتها الحديثة: كيف يمكن لبلد يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات الزراعية في العالم أن يعيش على هامش الأمن الغذائي، وأن يتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة للأزمات الإنسانية والنزاعات المسلحة؟ إن هذا السؤال ليس مجرد مفارقة اقتصادية عابرة، بل هو مدخل لفهم أعمق لطبيعة الدولة السودانية، وللعلاقة المركبة بين الموارد الطبيعية، والسياسات التنموية، وبنية السلطة السياسية.


يأتي كتاب «التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان» ليخوض في قلب هذه المفارقة الكبرى، مقدماً رؤية استراتيجية تتجاوز التحليل الاقتصادي التقليدي للقطاع الزراعي، لتضع الزراعة في موقعها الحقيقي بوصفها محوراً لبناء الدولة، وأداة لإعادة صياغة الاقتصاد الوطني، ومنصة لتحقيق السلام الاجتماعي والاستقرار السياسي. فالكتاب لا يتعامل مع الزراعة بوصفها قطاعاً إنتاجياً فحسب، بل يطرحها باعتبارها مشروعاً وطنياً شاملاً يمكن أن يشكل نقطة الانطلاق نحو إعادة بناء السودان على أسس جديدة من العدالة التنموية والتكامل الاقتصادي.


منذ الصفحات الأولى، يلفت الكتاب الانتباه إلى حقيقة صادمة لكنها معروفة لدى الخبراء والباحثين في الشأن السوداني، وهي أن السودان يمتلك ما يقارب 173 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، إضافة إلى موارد مائية هائلة، وتنوع بيئي ومناخي يتيح إنتاج طيف واسع من المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية. ومع ذلك، فإن هذه الإمكانات الضخمة ظلت لعقود طويلة غير مستثمرة بالشكل الأمثل، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مصدر للصراع والتنافس غير المتكافئ بين الأقاليم والمجتمعات المحلية.


إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب تكمن في قدرته على تفكيك هذه المفارقة من منظور الاقتصاد السياسي للتنمية، حيث يعيد قراءة تاريخ التخطيط الزراعي في السودان منذ الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم، كاشفاً كيف أن السياسات الزراعية لم تكن في كثير من الأحيان نتاج رؤية وطنية شاملة، بل انعكاساً لتوازنات السلطة، وأحياناً استجابة لأجندات خارجية أو ضغوط اقتصادية دولية. وفي هذا السياق، يقدم الكتاب تحليلاً دقيقاً لكيفية تشكل ما يمكن تسميته بـ«التحيز البنيوي» في السياسات الزراعية، حيث تركزت الاستثمارات العامة والدعم الحكومي في قطاعات محددة مثل الزراعة المروية والمشروعات الكبرى، بينما ظل القطاع التقليدي – الذي يشكل العمود الفقري لسبل العيش لملايين السودانيين – مهمشاً وضعيف الموارد.


ومن خلال هذا التحليل التاريخي، ينجح الكتاب في إبراز العلاقة الوثيقة بين التهميش التنموي والنزاعات المسلحة التي شهدتها مناطق واسعة من السودان، خاصة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق البلاد. فهذه المناطق التي عانت طويلاً من ضعف الاستثمار في البنية التحتية الزراعية والخدمات الأساسية، أصبحت مع مرور الوقت بؤراً للهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي ساهم في تفجر النزاعات حول الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الأرض والمياه والمراعي.


لكن الكتاب لا يقف عند حدود تشخيص الأزمة، بل يذهب أبعد من ذلك ليطرح رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على فكرة محورية مفادها أن الزراعة يمكن أن تكون مدخلاً عملياً لبناء السلام في السودان. وهذه الفكرة، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل في طياتها أبعاداً عميقة تتعلق بإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وإعادة توزيع الموارد بين الأقاليم، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وخلق فرص عمل واسعة في الريف السوداني الذي ظل لعقود طويلة مهمشاً ومهجوراً.


إن الرؤية التي يقدمها الكتاب تقوم على إعادة تعريف الزراعة بوصفها قطاعاً متعدد الأبعاد، يتقاطع فيه الإنتاج الاقتصادي مع الاستقرار الاجتماعي والتنمية الإقليمية. فالاستثمار في الزراعة لا يعني فقط زيادة الإنتاج أو تحسين الميزان التجاري، بل يعني أيضاً إعادة إحياء المجتمعات الريفية، وتقليل دوافع الهجرة والنزوح، وتعزيز الروابط الاقتصادية بين مختلف مناطق البلاد، وفي هذا المعنى، تصبح الحقول الزراعية فضاءات لبناء السلام، كما تصبح الأسواق الريفية جسوراً للتكامل الوطني.


كما يلفت الكتاب الانتباه إلى أهمية دمج الثروة الحيوانية ضمن الرؤية الزراعية الشاملة، باعتبارها أحد أهم أعمدة الاقتصاد الريفي في السودان، ومصدراً رئيسياً للدخل لملايين الرعاة والمزارعين. فالسودان يمتلك واحداً من أكبر قطعان الماشية في أفريقيا، ومع ذلك فإن هذا المورد الضخم لا يزال يعاني من ضعف الاستثمار في مجالات التصنيع الزراعي، وسلاسل القيمة، والبنية التحتية للأسواق.


ومن بين النقاط اللافتة في الكتاب أيضاً تحليله العميق لتأثير العوامل الخارجية على مسار التنمية الزراعية في السودان، سواء من خلال السياسات الاقتصادية التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية في فترات مختلفة، أو عبر المبادرات الإقليمية التي سعت إلى تحويل السودان إلى «سلة غذاء» لدول أخرى دون بناء قاعدة تنموية متوازنة داخل البلاد.

وفي هذا السياق، يدعو الكتاب إلى صياغة رؤية سيادية للتنمية الزراعية، تضع مصالح السودان وشعبه في المقام الأول، مع الانفتاح في الوقت ذاته على الشراكات الإقليمية والدولية التي تعزز التنمية المستدامة.


ولا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن السياق السياسي والاقتصادي الراهن في السودان، حيث أدت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 إلى تعميق الأزمة الاقتصادية والإنسانية، وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، وتعطيل سلاسل الإنتاج والتوزيع في العديد من المناطق. وفي ظل هذه الظروف القاسية، تكتسب الدعوة إلى إعادة بناء القطاع الزراعي أهمية مضاعفة، ليس فقط باعتبارها خياراً اقتصادياً، بل باعتبارها ضرورة وجودية لاستعادة الاستقرار وإعادة بناء الدولة.


إن أحد أهم الإسهامات الفكرية لهذا الكتاب يتمثل في محاولته إعادة توجيه النقاش العام حول مستقبل السودان بعيداً عن دوائر الصراع السياسي الضيقة، نحو سؤال التنمية الشاملة والعدالة الاقتصادية. فالكاتب يدعو بوضوح إلى أن يكون المشروع الزراعي الوطني محوراً لرؤية جديدة للدولة السودانية، رؤية تقوم على استثمار الموارد الطبيعية الهائلة للبلاد بطريقة عادلة ومستدامة، بما يضمن تحسين حياة المواطنين ويعزز الاستقرار السياسي.


وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن هذا الكتاب لا يقدم مجرد تحليل لواقع الزراعة في السودان، بل يطرح أجندة فكرية واستراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني. فهو يدعو إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على استخراج الموارد الخام وتصديرها في صورتها الأولية، إلى اقتصاد زراعي صناعي متكامل يقوم على القيمة المضافة والتكنولوجيا الزراعية الحديثة وسلاسل الإنتاج المتطورة.


إن السودان، كما يذكر الكتاب، يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليصبح قوة زراعية إقليمية وربما عالمية: الأرض الواسعة، والمياه الوفيرة، والتنوع البيئي، والخبرة التاريخية في الزراعة، لكن تحقيق هذا الطموح يتطلب قبل كل شيء إرادة سياسية ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، قادرة على تجاوز أخطاء الماضي وبناء نموذج تنموي جديد يقوم على العدالة والكفاءة والاستدامة.


وبهذا المعنى، فإن «التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان» ليس مجرد كتاب عن الزراعة، بل هو دعوة لإعادة التفكير في مستقبل السودان نفسه: كيف يمكن تحويل الموارد إلى فرص، والتنوع إلى قوة، والأرض إلى أساس للسلام والازدهار، إنها دعوة إلى أن تصبح الزراعة مرة أخرى قلب المشروع الوطني السوداني، ومحركاً لنهضة اقتصادية تعيد للسودان مكانته التي يستحقها بين دول العالم (يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى