مقالات

الاديب شقيفة يكتب : على دروب الفاشر… حين يحمل الشباب معنى الوطن

في شهر نوفمبر من العام الماضي، لم تكن الرحلة إلى الفاشر مجرد انتقال جغرافي من مدينة إلى أخرى، بل كانت عبورًا إنسانيًا نحو قلب الجراح. كنا ضمن القافلة الاجتماعية لمجتمع شرق دارفور، نحمل معنا شيئًا من الزاد، وكثيرًا من الأمل.

كانت مدينة الفاشر آنذاك تقف على حافة زمنٍ ثقيل؛ أصوات الحرب تتردد في أطرافها، وموجات النزوح تتدفق نحوها كأنها تبحث عن ظلٍّ أخير للأمان.

في تلك اللحظة الحرجة، وصلت قافلة مبادرة شباب من أجل التغيير – الضعين، لا باعتبارها مجرد قافلة إغاثة، بل باعتبارها رسالة إنسانية تقول لأهل الفاشر: لستم وحدكم.

خلال خمسة أشهر فقط، استطاعت المبادرة أن تترك أثرًا يتجاوز حدود المساعدات المادية. فقد تحولت إلى مساحة حقيقية للتلاحم الاجتماعي بين إنسان شرق دارفور وأخيه في شمال دارفور، حيث امتزجت الأيدي التي تقدم العون بالقلوب التي تؤمن بأن الإقليم الواحد لا ينبغي أن يتخلى عن بعضه في أوقات الشدة.

لم تكن زيارات مراكز الإيواء مجرد جولات تضامنية، بل كانت لحظات إنسانية عميقة. الأطفال الذين أثقلتهم ذاكرة النزوح وجدوا في الأنشطة الثقافية والرياضية نافذة صغيرة للفرح، والشباب الذين أرهقتهم أخبار الحرب وجدوا في تلك المبادرات فسحة للحياة.

حتى الإفطارات الجماعية التي أقيمت في الميادين ومراكز الإيواء لم تكن مجرد وجبات تُكسر بها ساعات الصيام، بل كانت لغة أخرى للتضامن، تقول بصمتها البسيط إن المجتمع ما يزال قادرًا على أن يتماسك رغم كل ما مر به.

لقد صنعت هذه المبادرة مشهدًا إنسانيًا نادرًا: شباب من أجل التغيير يقفون جنبًا إلى جنب مع متطوعي شرق دارفور، يتقاسمون العمل والجهد، ويعيدون تعريف معنى الأخوّة الميدانية.

كانت الوجبات التي تُوزع على الأسر النازحة والمتعففة أكثر من طعام؛ كانت سندًا معنويًا يعيد للناس شيئًا من الطمأنينة وسط ضجيج القلق.

غير أن المبادرة لم تكن لحظة عابرة من العمل الخيري، بل رؤية ممتدة نحو المستقبل. فغايتها الحقيقية أن تزرع بذور التلاحم الاجتماعي، وأن تنشر روح التسامح في مجتمع أنهكته الصراعات، وأن تستثمر طاقات الشباب ليكونوا جيلًا فاعلًا وقادرًا على القيادة والبناء.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يبقى العمل التطوعي واحدًا من أكثر المسارات صعوبة… لكنه أيضًا أكثرها نبلاً.

فالشباب الذين اختاروا أن يسلكوا هذا الطريق لا يبحثون عن الأضواء، بل عن أثرٍ صامت يتركه العطاء في حياة الآخرين.

وهكذا، لم تكن رحلة الفاشر مجرد محطة في طريق المبادرة، بل كانت شهادة حية على أن الأمل ما يزال ممكنًا، وأن الشباب حين يؤمنون بقيمة الإنسان يستطيعون أن يصنعوا من أبسط الإمكانات جسورًا من الرحمة بين المدن والقلوب.

فالوطن، في النهاية، ليس أرضًا فقط… بل هو تلك اللحظة التي يمد فيها إنسانٌ يده لإنسانٍ آخر فيقول له: نحن هنا… ولن نتركك وحدك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى