مقالات

عبير نبيل تكتب : في زمن الحرب الأوطان لا تسقط بالرصاص فقط… بل بفوضى الأولويات

في زمن الحرب: الأوطان لا تسقط بالرصاص فقط… بل بفوضى الأولويات

الحسم أولًا… والعدل أساس الدولة

✒️ الكاتبة الإعلامية : عبير نبيل محمد

في زمن الحرب لا تُقاس الدول بكثرة خطاباتها… بل بقدرتها على ترتيب أولوياتها.
وحين تختلط الأولويات، لا يخسر القادة مواقعهم فقط… بل قد يخسر الوطن سنوات من عمره.
السودان اليوم يقف في لحظة فاصلة: إما وضوح القرار… أو فوضى الأولويات.

 ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾

يمر السودان اليوم بواحدة من أخطر لحظات تاريخه الحديث.
حربٌ تمتحن صبر الشعب، وتختبر صلابة الدولة، وتكشف في الوقت نفسه مواطن القوة والضعف في جسد الوطن.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: الأوطان في زمن الحرب لا تتحمل التشتت، ولا تحتمل ازدواج الأولويات.
كل طاقة تُهدر خارج معركة البقاء… هي طاقة تُسحب من قلب الوطن نفسه.
لهذا فإن السؤال اليوم ليس: ماذا نقول؟
بل: ما الذي يجب أن يكون أولًا؟

أولاً: حسم المعركة قبل تشتيت الجهود
إن أولى أولويات الدولة الآن هي حسم المعركة وعدم تشتيت الجهد الوطني بين الخطابات الكثيرة والمنابر المتعددة.
الحروب لا تُدار بالكلمات، بل بالقرار الواضح وتركيز القوة في الاتجاه الصحيح.
كل يوم يتأخر فيه الحسم هو يوم جديد ينزف فيه الاقتصاد، ويزداد فيه النزوح، وتتعمق فيه جراح المجتمع.
الجنود في خطوط النار لا يقاتلون من أجل الشعارات، بل من أجل وطن آمن ومستقر.
واجب القيادة وكل مؤسسات الدولة: تسخير كل الإمكانات لحسم المعركة، لأن استمرار النزيف العسكري يعني أيضًا استمرار النزيف الاقتصادي والإنساني.
فالحرب حين تطول… تستهلك الأوطان.

وللقادة الذين يفرطون بالقرار أو يلهثون وراء المكاسب الشخصية: اعلموا أن التأخير لن يُغفر، وكل يومٍ تضيع فيه الأولويات هو يوم يُحاسبكم التاريخ عليه.

ثانياً: ترشيد الصرف الحكومي… احترامًا لتضحيات الجنود
في زمن الحرب تتغير أولويات الدولة، ويصبح الإنفاق العام خاضعًا لمعيار واحد: مصلحة الوطن.
المؤلم أن يقاتل الجنود في الميدان دفاعًا عن الوطن، بينما تُدار بعض المكاتب بعقلية الرفاهية وكأن البلاد ليست في حرب.
احترام تضحيات الجنود يبدأ أولًا بترشيد الإنفاق، تقنين الامتيازات، وإيقاف مظاهر البذخ الزائف.
يجب أيضًا إيقاف سياسات المحسوبية والمحاصصة التي جعلت عراة الفكر والمنطق سادةً على حساب الكفاءة.
الأوطان لا تُبنى بالمجاملات… بل بالعقول القادرة على إدارة الأزمات.

ولمن يعتقد أن الدماء رخيصة وأن المصالح الشخصية أهم: تذكروا أن الشعب يراقب، والتاريخ لن يرحم المفسدين.

ثالثاً: تقنين المحروقات وإدارة اقتصاد الحرب
المحروقات ليست مجرد سلعة اقتصادية… بل هي شريان الحياة لكل قطاعات الإنتاج في السودان.
أي خلل في إدارتها ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.
لذلك يجب وضع سياسة واضحة لتقنين المحروقات وترشيد استخدامها، وتوجيهها للقطاعات الحيوية التي تدعم صمود الدولة، على رأسها الزراعة والإنتاج الغذائي.
إيقاف الهدر والتهريب، ومراجعة سياسات التوزيع ضرورة وطنية.
لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا بسبب سياسات اقتصادية عرجاء، وحان الوقت لترتيب الأولويات ووضع مصلحة المواطن في قلب القرار الاقتصادي.

كل خلل في إدارة الموارد في زمن الحرب هو خيانة مكتملة الأركان، وكل يوم هدر هو وصمة عار على كل من يفشل في واجبه.

رابعاً: بين الميدان والخيام… مسؤولية الضمير الوطني
هناك اليوم مشهدان لا يمكن تجاهلهما:
الجنود الذين يقاتلون في الميدان دفاعًا عن الوطن.
الأمهات في خيام النزوح بقلوب معلقة بأخبار أبنائهن.
بين هذين المشهدين يجب أن تُقاس كل قرارات الدولة.
تضحيات الجنود يجب أن تُترجم إلى عدل في إدارة الدولة، نزاهة في القرار، وأولوية حقيقية لمصلحة الوطن.

وأي قرار يُتخذ بعقلية امتيازات أو مصالح ضيقة هو قرار ضد الوطن نفسه، وكل مسؤول عنه سيكون محاسبًا أمام الشعب والتاريخ.

الطريق الوحيد للنجاة….
إن أخطر ما يهدد الأوطان في زمن الحرب ليس العدو وحده… بل العجز عن ترتيب الأولويات.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الكلام…
بل يحتاج إلى وضوح في الأولويات:
حسم المعركة.
ترشيد الإنفاق.
إدارة الموارد بحكمة.
هذه ليست شعارات سياسية، بل شروط بقاء الدولة نفسها.
الأوطان التي تحترم دماء أبنائها لا تسمح أن تتحول تضحياتهم إلى فرصة للفاسدين أو أصحاب المصالح.
الشعب السوداني، الذي صبر طويلًا على الألم والنزوح والحرمان…
يستحق دولة تقف إلى جانبه، لا دولة تثقل كاهله بالأخطاء نفسها.

سلام يا وطني… وأمان إليك
سلام وأمان فالعدل ميزان
توقيع لا يُنسى
أنا الرسالة حين يضيع البريد،
وأنا الصوت حين يُصادر الصمت،
وأنا الحبر الذي لا يهادن في زمن التزييف.
أكتب لأن الوطن أكبر من الألم،
وأؤمن أن الوعي هو السلاح الذي لا يُهزم.
امرأة من حبر النار
✍️ عبير نبيل محمد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى