السودان بين تعدد المبادرات واستمرار الحرب ؟

كتب : حسين سعد
بينما تستمر الحرب في السودان منذ أبريل 2023 في تدمير الدولة وتمزيق النسيج الاجتماعي، تتكاثر المبادرات السياسية واللقاءات الدبلوماسية بحثاً عن مخرج من الأزمة لكن المفارقة الصارخة تكمن في أن هذه الحراك السياسي، رغم كثافته، لم ينجح حتى الآن في إحداث اختراق حقيقي نحو وقف الحرب. بل يبدو في كثير من الأحيان وكأنه يدور في فلك الصراع نفسه، أو يعكس إعادة تموضع القوى السياسية والعسكرية أكثر مما يعكس إرادة حقيقية لبناء تسوية شاملة.
اللقاءان اللذان عقدتهما الآلية الخماسية مع كل من حزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل المهدي، وائتلاف الكتلة الديمقراطية الموالي للجيش، يقدمان نموذجاً واضحاً لتعقيدات المشهد السياسي في السودان، حيث تتقاطع مسارات متعددة للحل، لكنها في الوقت ذاته تعكس انقساماً عميقاً في الرؤى حول طبيعة العملية السياسية ومآلاتها.
تعدد المسارات الدولية: محاولة لإنقاذ الدولة أم إدارة الأزمة؟
تتكون الآلية الخماسية من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، وهي تمثل محاولة دولية وإقليمية لإيجاد إطار منسق لمعالجة الأزمة السودانية. غير أن هذا الإطار نفسه يعكس تعددية في مراكز القرار، وتبايناً في أولويات الفاعلين الدوليين.
فمنذ اندلاع الحرب، شهد السودان مبادرات متعددة، من مفاوضات جدة إلى مسارات إقليمية مختلفة، وصولاً إلى هذه الآلية الجديدة. ورغم أن الهدف المعلن لهذه الجهود هو وقف الحرب، إلا أن غياب توافق داخلي سوداني حول شكل الحل السياسي يجعل من هذه المبادرات أقرب إلى منصات للحوار منها إلى آليات قادرة على فرض تسوية.
ويظهر من لقاء حزب الأمة مع الآلية الخماسية أن القوى السياسية المدنية تحاول إعادة طرح رؤية تربط بين ثلاثة مسارات متكاملة: وقف إطلاق النار، المعالجة الإنسانية، والعملية السياسية. هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أي اتفاق عسكري لوقف الحرب لن يكون مستداماً ما لم يقترن بتسوية سياسية تعالج جذور الأزمة.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن القوى السياسية نفسها منقسمة حول طبيعة هذه التسوية، بل وحتى حول موقعها في المعادلة السياسية الجديدة.
في المقابل، يطرح ائتلاف الكتلة الديمقراطية، وهو تحالف يضم قوى سياسية وحركات مسلحة متحالفة مع الجيش، رؤية مختلفة للعملية السياسية. فوفقاً لبيانه، تقوم هذه الرؤية على مسارين متوازيين: مسار سياسي يشارك فيه المدنيون، ومسار أمني تقوده القوات المسلحة.
هذا الطرح يعكس تحولا مهماً في طبيعة النقاش السياسي في السودان. فبدلاً من الحديث عن انتقال مدني ديمقراطي كما كان مطروحاً عقب ثورة ديسمبر 2018، يجري الآن إعادة صياغة العملية السياسية بحيث يصبح الجيش الفاعل المركزي في المسار الأمني والسياسي معاً.
كما تتضمن رؤية الكتلة الديمقراطية مقترحات تتعلق بإعادة هيكلة قوات الدعم السريع، بما في ذلك انسحابها من المدن وتجميعها في معسكرات ونزع سلاحها. وهو طرح يتسق مع خطاب الجيش الذي يرى أن نهاية الحرب يجب أن تقود إلى تفكيك القوة العسكرية لمنافسه الرئيسي.
لكن هذه الرؤية تواجه إشكاليات عديدة، أبرزها أن الدعم السريع نفسه يمثل طرفاً رئيسياً في الحرب، ولا يبدو مستعداً للقبول بمثل هذه الترتيبات دون تسوية سياسية شاملة تعيد توزيع السلطة داخل الدولة.
الأحزاب التقليدية ومحاولة استعادة الدور؟
من جهة أخرى، يعكس لقاء حزب الأمة مع الآلية الخماسية محاولة من الأحزاب التقليدية لإعادة تموضعها في المشهد السياسي. فقد أدت الحرب إلى تهميش كثير من القوى المدنية، بينما أصبح الصراع محكوماً بدرجة كبيرة بالمعادلة العسكرية.
لذلك تسعى هذه الأحزاب إلى طرح نفسها كجسر بين المجتمع الدولي والقوى السودانية، من خلال دعم المبادرات السياسية والتأكيد على ضرورة الربط بين وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة.
غير أن قدرة هذه القوى على لعب دور حاسم تبقى محدودة، لعدة أسباب. أولها أن ميزان القوة على الأرض ما زال عسكرياً، وثانيها أن الانقسامات داخل المعسكر المدني نفسه أضعفت تأثيره في مسار الأزمة.
العملية السياسية امتداد للصراع؟
تكشف المواقف المختلفة للقوى السياسية السودانية أن العملية السياسية لم تعد مجرد وسيلة لإنهاء الحرب، بل أصبحت أيضاً ساحة جديدة للصراع على السلطة والشرعية.
فكل طرف يسعى إلى صياغة العملية السياسية بطريقة تعزز موقعه في المستقبل. الجيش وحلفاؤه يدفعون باتجاه عملية سياسية تكرس دور المؤسسة العسكرية في إدارة الدولة، بينما تحاول بعض القوى المدنية الحفاظ على فكرة الانتقال المدني الديمقراطي.
أما الدعم السريع وحلفاؤه، الذين لم يظهروا في هذه اللقاءات، فيسعون بدورهم إلى فرض شروطهم عبر المعادلة العسكرية على الأرض.
وهكذا تتحول العملية السياسية إلى انعكاس للتوازنات العسكرية، بدلاً من أن تكون إطاراً لتجاوزها.
البعد الإقليمي والدولي للصراع؟
لا يمكن فهم تعقيدات العملية السياسية في السودان دون النظر إلى البعد الإقليمي والدولي للأزمة. فالدعوات إلى التنسيق مع مصر أو مع قوى دولية أخرى تعكس حقيقة أن السودان أصبح ساحة لتقاطع مصالح إقليمية متعددة.
بعض الدول تدعم بقاء الجيش كمؤسسة مركزية في الدولة، بينما تميل أطراف أخرى إلى الدفع نحو تسوية سياسية أوسع تشمل مختلف القوى.
هذا التباين في المواقف الإقليمية والدولية يزيد من تعقيد الأزمة، لأنه يمنح الأطراف المتحاربة هامشاً للمناورة، ويجعل من الصعب الوصول إلى ضغط دولي موحد يفرض وقف الحرب.
ماهي السيناريوهات المحتملة؟
في ظل هذه المعطيات، يمكن تصور اربع سيناريوهات رئيسية لمستقبل العملية السياسية في السودان:
السيناريو الأول: تسوية تفاوضية شاملة
يقوم على نجاح الضغوط الدولية والاقليمية في فرض وقف إطلاق النار، ثم إطلاق عملية سياسية تضم مختلف القوى العسكرية والمدنية، غير ان تحقق هذا السيناريو يتطلب توافقاً بين القوى العسكرية والمدنية، إضافة إلى دعم إقليمي ودولي قوي لا يبدو متوفراً حالياً.
السيناريو الثاني: تسوية منتصر عسكرياً.
إذا تمكن أحد طرفي الحرب من تحقيق تفوق عسكري حاسم، فقد يفرض رؤيته للعملية السياسية علي الطرف الاخر الدخول في مفاوضات من موثع ضعف لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يؤدي إلى استمرار عدم الاستقرار واندلاع تمردات جديدة.
السيناريو الثالث:
استمرار الحرب مع مفاوضات متقطعة وهو السيناريو الأقرب للواقع حالياً، حيث تستمر المعارك على الأرض بالتوازي مع حراك سياسي ودبلوماسي دون اختراق حقيقي.في هذا السيناريو يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار هش يقسم مناطق النفوذ بين الأطراف.وهو سيناريو يشبه ما حدث في بعض الدول التي شهدت حروباً أهلية طويلة.
السيناريو الرابع :
قد تتدخل القوى الإقليمية والدولية لفرض تسوية سياسية على الأطراف السودانية، خاصة إذا استمرت الحرب في تهديد الاستقرار الإقليمي.
لكن نجاح هذا السيناريو يعتمد على مدى قبول الأطراف المحلية بهذه التسوية.
السؤال المهم هل يتحقق السلام في السودان؟
إن تحقيق السلام في السودان لا يعتمد فقط على وقف إطلاق النار، بل على معالجة الأسباب العميقة للصراع، مثل أزمة بناء الدولة، والصراع على السلطة، وقضايا العدالة الانتقالية، وتوزيع الثروة والسلطة.
كما يتطلب السلام أيضاً إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني، وهي مهمة معقدة بعد سنوات من الحرب والانقسامات في وقت تكشف الحرب في السودان أن البلاد وصلت إلى لحظة مفصلية في تاريخها. فإما أن تتحول هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، أو أن تستمر دوامة الصراع التي ظلت تطارد السودان منذ عقود.
إن السلام الحقيقي لن يتحقق فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل عبر مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المدنيين والعسكريين، وبين المركز والأقاليم.
وبينما تكشف اللقاءات بين الآلية الخماسية والقوى السياسية السودانية أن الجميع بات يدرك استحالة الحسم العسكري الكامل، لكن في الوقت ذاته لم تتبلور بعد رؤية مشتركة لسلام مستدام.
وبينما تتعدد المبادرات والمسارات، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل العملية السياسية من مجرد منصة لإدارة الصراع إلى مشروع وطني حقيقي لإعادة بناء الدولة السودانية.
فالحرب لم تدمر المدن والبنية التحتية فحسب، بل هزت أيضاً الأسس التي قامت عليها الدولة السودانية منذ استقلالها. ولذلك فإن أي عملية سياسية لا تعالج جذور الأزمة – من طبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة، إلى قضية توزيع السلطة والثروة وتحقيق الدولة المدنية وعدم الإفلات من العقاب – قد تنجح في وقف الحرب مؤقتاً، لكنها لن تمنع عودتها في المستقبل.
وفي هذا السياق، يبدو السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تتحول العملية السياسية إلى فرصة لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، أو أن تظل مجرد فصل آخر في صراع طويل لم يحسم بعد.
وحتى يتحقق ذلك، سيظل السؤال مفتوحاً: هل يستطيع السودانيون تحويل مأساة الحرب إلى بداية جديدة لدولة عادلة وديمقراطية؟ أم أن الصراع سيبقى السمة الغالبة على مستقبل البلاد لسنوات قادمة؟




