قبائل وساسة وجيش في صفّ المحتل بقلم.. د. التوم حاج الصافي زين العابدين

الجاسر :وكالات
ما جاء به مستشار كامل إدريس، الانتهازي المعتّق، حول اتهامه الأجوف لبعض زعماء القبائل الذين قال إنهم ساندوا الدعم السريع — قوات سودانية أُنشئت بقانون في البرلمان السوداني بعد أن أسستها الحركة الإسلامية المجرمة لقمع طموحات السودانيين والفتك بهم — كان كلامًا مليئًا بالتزييف والتحريف.قال محمد محمد خير — وهو ليس كوزًا، بل النسخة الأسوأ من الكيزان، مثله مثل الضو بلال، مزمل أبو القاسم، حسن طرحة، وبقية أرامل الإنقاذ الذين كانوا يعتاشون على فتات النظام، وتُقدَّم لهم التسهيلات مقابل ما يقومون به من تضليل وتدليس وتلميع لمجرمي الكيزان، ولا يزالون يفعلون ذلك بلا خجل.وفي اتهامه قال إن تأييد زعماء القبائل للجنجويد هو امتداد لمشروع سلفهم، حيث نصّ على:”هذا هو غزو بريطاني وليس إماراتي، وهو امتداد للصراع على النفوذ بين بريطانيا ومصر حول السودان”، وأضاف أن زعماء القبائل الذين اصطفوا مع الدعم السريع هم أحفاد زعماء العشائر الذين كوّن بهم الإنجليز الحزب الاشتراكي الجمهوري، وبه تم تكوين الجمعية التشريعية.أولًا، يجب على أمثال محمد محمد خير ألا يفتحوا مثل هذه المواضيع، فحديثه يكذبه التاريخ والحاضر. فالذين كانوا يعاونون الغزو التركي، ومن بعده الغزو البريطاني-المصري، معلومون بالاسم والتاريخ والصور. ولعلّ أكثر المخازي كانت حين مُنح جدود محمد محمد خير لقب السنجك، الذي لا يزال يتردد حتى اليوم، وهو لفظ ذو تاريخ مخزٍ ومخجل، بيد أن العين المتواطئة جعلت منه شرفًا، في حين أن ذلك كان أول نموذج للوضاعة والتحالف مع المحتل ضد أبناء الوطن.أما مجموعة الزعماء الذين ذهبوا تأييدًا للملكة في عام 1919، فوجودهم يختلف تمامًا عما يحاول محمد خير تبريره؛ فكلٌّ منهم كان يمثل قبيلته أمام الإدارة البريطانية المحتلة آنذاك، بينما قواعد القبائل، مثل الصوفية، كان يُغرَّر بهم وهم لا يعلمون.وبالعودة إلى نموذج محمد محمد خير وأمثاله، فهم واجهات وضيعة تُستخدم من قبل الكيزان، من لدن البرهان مرورًا بكامل إدريس والأعيسر وحتى الواجهات الأردولية والمشتركة والجاكومية، وبقية سواقط هذه المرحلة؛ يُكمِّل بهم الكيزان خطتهم على عجل. جميعهم لا يساوون موقفًا مشرّفًا واحدًا في وجه أصغر ثائر ضد الكيزان.ولعلّ التاريخ الذي يجب أن يقرأه محمد محمد خير — والذي له من المخازي ما لا يُعدّ، ويعرفه تجمع أسمرا جيدًا، والعديد منهم أحياء — يكفي لعدم تكرار حتى مجرد اسمه. فالكتب موجودة، والإنترنت مبذول، فليفتح أقرب صفحة ليكمل القراءة، ونهديه بعضًا مما جاء في تلك المصادر.التحالفات القبلية السودانية مع القوى المحتلةفي عام 1919 توجّه وفد من الزعماء والنظّار السودانيين إلى لندن لتهنئة الملك جورج الخامس بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. ضمّ الوفد أبرز القيادات السياسية والدينية، منهم السيد علي الميرغني، عبد الرحمن المهدي، الشريف يوسف الهندي، وعدد من النظّار مثل علي التوم وناظر الهدندوة والجعليين والشكرية. وكانت الزيارة بمثابة اعتراف رسمي بالسيادة البريطانية على السودان، وهو ما اعتبره كثيرون خيانة واضحة لمصالح البلاد، إذ ذهبوا لتحية ملكٍ محتل دون مراعاة لمصالح الشعب السوداني.وقبل ذلك، حصلت قبيلة الشايقية على لقب «سنجك» من الإدارة التركية-المصرية خلال القرن التاسع عشر نتيجة تحالفهم مع قوات الاحتلال بعد مقاومة أولية، وهو ما اعتبره مؤرخون خيانة سياسية صريحة.ولعلّ النظّار القبليين الذين ذهبوا ضمن الوفد الرسمي للقاء الملك البريطاني، ممثلين قبائلهم أمام الإدارة البريطانية، فُسّر موقفهم عند بعض الباحثين بأنه خيانة واضحة للوطن، إذ لم يكن الهدف مجرد تمثيل القبائل، بل قبول السيادة الأجنبية لتحقيق مصالح شخصية أو نفوذ سياسي.هذا الفصل التاريخي يوضح أن بعض الزعامات القبلية والدينية السودانية اختارت التحالف مع القوى المحتلة لتحقيق مصالحها، سواء في عهد الأتراك بمنح لقب السنجك للشايقية، أو في عهد البريطانيين عبر وفد 1919، دون مراعاة للوطن أو وحدة السودان. هذه التحالفات لم تكن تكتيكًا عابرًا، بل خيانة صريحة لمصلحة البلاد.وأمام من يريد المزيد من المخازي السودانية، فالأمثلة موجودة، ولعلّ الجيش السوداني هو صاحب النصيب الأكبر من الصفحات السوداء في تاريخ السودان منذ تأسيسه وحتى اليوم.المراجع:AsdaaSudania – زيارة الوفد السوداني إلى بريطانيا 1919SudaneseHistory – الشايقية والتحالف مع الأتراكWikipedia – Shaiqiyaلذلك من الحصافة عدم الزجّ بأسماء القبائل في أي صراع. والرجل معذور؛ يريد أن يثبت عطية سلطة الأمر الواقع، ويُظهر الولاء، ويرسل رسائل لمشغليه. غير أنه فاته أن كل ذلك مكشوف لكل ذي عقل، وأن السلطة لا تدوم، بينما تظل المواقف المخزية شاهدة على أصحابها حين يتاجرون بأسماء القبائل.فأمثاله ليسوا من تجار الدين أصلًا؛ فهذه بضاعة يستخدمها أسيادهم فقط. وليس بعيدًا، فالزمان متقلّب، وغدًا ربما نجده يتدثّر بالثوب الكذوب، ثوب أسياده الجدد.فما له ولِقبائل السودان؟ فهم — كغيرهم — على دين من يسيطر على الأرض؛ ليس أمامهم سوى التسليم، مثلهم مثل الصوفية وملايين البشر الذين لا يريدون سوى أن يعيشوا.




