فن وثقافة

قصّة قصيرة كتبها أبوذر أحمد محمّد : الموتُ كلاماً

الموتُ كلاماً

قصّة قصيرة كتبها : أبوذر أحمد محمّد

بدت على عينيه غاشيةٌ من نُعاسٍ طاغٍ كاد أن يفقد معه توازُنَه أثناء دوام العمل.
ولولا الكرسيّ المتحرّك أمام المنضدة عليها جهاز الكمبيوتر لسقط من لحظته..
برغمٍ منه وضع السيّد إدريس يديه على المنضدة المكتبيّة اللاَّمعة وأسند رأسَه عليها،
رنّ جرس هاتف المكتب فلم يستيقظ.. رنّ هاتفه النّقّال بنغمته الأثيرة:”رقّت عيناي شوقاً..”، فلم يستيقظ..
نومةٌ ثقيلة غابَ فيها عن الدنيا بأكملها.. حتى سمع هو بنفسه شخيرَ نفسِه!!
وأحسّ بلُعابِه يسيل من فمه على المنضدة مروراً بِساعدِ يدِه حتى تقزّز منه بعقله المتبقّي، ولكنّه لم يستيقظ..
طاف بذاكرته مشهدُ بائعِ الخبز وهو قد ناقشه بالأمس عن سبب ارتفاع سعر الرغيفة؟ ومن أين صدر أمر تعديل تعريفة الخبز؟
مضت عشرون دقيقة وهو نائم يجادل بائع الخبز، ويتقزّز من لُعاب نفسِهِ السائل على المنضدة.. واستيقظ ..
تثاءب بِعُمق.. سمع أذان صلاة الظهر، هرع ليتوضأ سريعاً ليجد مكانه في الصفّ الأول من المصلَّى الصغير في مكتبهم..
َكان مُقرّراً عليه أن يلقي كلمةً للمصلِّين عقب الصلاة.. وقف أمام الناس يداعب لحيته الكثّة البيضاء كأنّه يقلّب دفاتر عقله ليتذكّر حديثاً يقوله لهم، وقف وهو يعدّل من نظارته ذات العدسات الغليظة، ويطلق ابتسامته وهو يركّز النظر على سامر، ذلك الموظف الجديد في المؤسسة..
اختار أن تكون كلمته عن الجدّ في العمل، والحرص على إنجاز مهامّ اليوم من غيرِ تأجيلها إلى الغد..
وختم كلمته الوجيزة بابتسامةٍ وجّهها إلى سامر :” ونحن نعتمد على الدماء الجديدة، والشباب المتحمّس الذي ينتظره دور جديد.. أرجو ألاّ نرى نوماً في المكاتب أثناء الدوام، يجب أن نقلّل من ميزانية الشاي والقهوة أثناء العمل، نريد النشاط،نريد إنجاز العمل..و فاته أن يقول كلمته الدائمة :” وأستغفر الله العظيم لي ولكم”..!!

▪️▪️▪️

قابله بالمصافحة المُصلُّون يمتدحون كلمته :”أحسنت، نفع الله بكم، جزاكم الله خيرا، وإيّاكم”.
قام سامر ولم يصافح أحدا، وتظاهر بالدعاء الحارّ لِئلاّ يصافح ويمتدح..!!

▪️▪️▪️

كان الموظّفون في المؤسّسة مُرهَقون بسبب إنجاز التقرير ربع السنويّ، وكان السهرُ قد ذهب بهم مذهبا صعبا جعلهم ينامون وهم على مكاتبهم..
غاب سامر عن الصلاة في اليوم الجديد، الكلمة اليوم على “عم إبراهيم” الباشكاتب، اعتذر عمّ إبراهيم، وقال سأعوّضها لكم في الأسبوع القادم!!

▪️▪️▪️
في اليوم التالي جاء سامر، وكان في الصفّ الأول، بل كان قبل الناس في المصلّى الصغير، بل هو من قام بتجهيز المفارش للمصلِّين..
الكلمة اليوم لسامر.. نريد أن نسمع من الشباب الجُدد المتحمّسين..
وقف سامر.. تلعثم قليلاً.. بدا أنيقاً بربطة العُنق تنسدل على بطنه الرشيق المنصفق وقميصه الأزرق اللاّمع المتناسق مع البنطال الأسود.
أحيّيكم..
أقترح أن نلغي هذه الكلمة الوعظية بعد الصلاة، لنترجمها واقعاً عمليّاً في أدائنا بالمكاتب.
فإذا كانت الصلاة هي القيمة الرّاقية التي تجمعنا في دقائق في مشهد جماعيّ يدلّ على ترابط الموظّفين في المؤسسة، فإنّ الاكتفاء بها ممّا تحتّمه مهامُّ العمل، خاصة وأنّنا مؤسّسة يرتبط عملها بمصالح الجمهور، فلا يصحّ بحال أن نتأخّر عليهم بِحُجّة أنّنا في الصلاة، ونحنُ إنّما نعطّل مصالحهم ونوقف حالهم بسبب هذه الثرثرة بعد الصلاة.. الثرثرة التي لا تُسمِن ولا تُغني من جُوع!!

▪️▪️▪️

وقف السيد إدريس واضعاً يده على كتف سامر مهنِّئا إيّاه على كلمته وممتعضاً منها في آنٍ..
-إنّ الصلاة تجمعنا، والكلمة الوعظيّة تجمعنا على أهداف المؤسسة، وإنّنا حين نتكلّم بعد الصلاة في دقائق معدودة لا نثرثر، ولا نوقف حال الجمهور.. بل إنّنا نعلّمهم كيف تكون الصلاة.. كيف تكون القيَم.. إنّنا مؤسسة إسلاميّة..
وحين طلبنا من ابننا سامر أن يحدّثنا لم نكن نطلب منه هذا النقد وهو يضع أقدامه لأول مرّة على طريق النجاح في مؤسّستنا..لكن الشباب دماؤهم حارّة وحماستهم زائدة..

قاطعه سامر.. ياسيد إدريس: أنا كلامي واضح.. لسنا هُنا في منبر خطابة.. إنّنا نعطّل العمل وأنا متمسّك برأيي في إلغاء الكلمة بعد الصلاة.. إلغاء الكلمة وليس إلغاء الصلاة..

▪️▪️▪️

وقف عمّ إبراهيم الباشكاتب ليقول :”انقسم الناسُ في المؤسسة الإسلاميّة إلى فريقين يلعن بعضهم بعضا.. فريق يؤيّد المدير التنفيذي السيد إدريس.. وفريق يؤيّد سامراً الموظف الجديد..
وتمضي الأيام ثقيلة مفعمة بالكيد والتراشق بالكلمات.. كلمات الخلاف على سجّادة الصلاة، ومن أجل موعظة لا يتّعظ بها قائلوها أوّل شيء.

Thu. 19.2.2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى