د. التوم حاج الصافي يكتب… عدالة بميزان الدم

الجاسر :وكالات
ينشط النائب العام التابع لسلطة بورتسودان هذه الأيام في التركيز على جرائم قوات الدعم السريع في حق السودانيين من المدنيين، وهي ليست بالقليلة وتستحق المساءلة والعقاب فعلاً لا قولاً. والصحيح أيضاً أن جيش الحركة الإسلامية ارتكب هو الآخر جرائم في حق المدنيين عبر الطيران والمسيّرات التي أزهقت أرواح الآلاف، فضلاً عن وقائع تعذيب وقتل خارج القانون تحت ذريعة التعاون مع الدعم السريع، وهي إحدى بوابات تصفية الحسابات التي ركزت عليها مليشيات التنظيم لضرب مخالفيها، بعد أن أُطلقت أيدي هؤلاء بلا حسيب ولا رقيب.
إنّ المشهد، كما يراه كثير من المراقبين، لا يعكس صحوة ضميرٍ قانوني بقدر ما يكشف انتقائيةً فجة في ميزان العدالة؛ فحين يُسلَّط الضوء على جرائم جهةٍ واحدة ويُغضّ الطرف عن انتهاكات منسوبة إلى الجيش السوداني، فإن القضية لا تبدو مسألة قانون بقدر ما تبدو معركة روايات وسلطة. والنائب العام التابع لسلطة بورتسودان، في نظر منتقديه، لا يتحرك داخل فضاء قضائي مستقل، بل ضمن هامشٍ سياسي ضيق تحدده موازين القوة لا نصوص العدالة.
فالعدالة التي تُجزَّأ تفقد معناها، والعدالة التي تُدار بمنطق الاصطفاف تتحول إلى أداة صراع لا إلى ميزان إنصاف. والضحايا الذين سقطوا في القصف الجوي أو تحت التعذيب أو في حملات الاعتقال التعسفي ليسوا أرقاماً قابلة للحذف من السجلات الرسمية، بل شواهد حيّة على أن الأزمة أعمق من مجرد تجاوزات ميدانية؛ إنها أزمة منظومة حكم لم تحسم بعد موقفها من فكرة الدولة نفسها: هل هي دولة قانون أم دولة غلبة؟
ويرى ناشطون حقوقيون أن أخطر ما في المشهد ليس فقط وقوع الجرائم، بل ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، حيث يتحول السلاح إلى شهادة براءة مسبقة، وتتحول السلطة إلى حصانة دائمة. عند هذه النقطة يصبح الحديث عن تحقيقات أو لجان تقصٍّ مجرد طقسٍ شكلي، لأن النتيجة معروفة سلفاً: إدانة الخصم وتبرئة الحليف.
إنّ الدم السوداني الذي سُفك في الشوارع والسجون وبوابة القيادة العامة لن يُطوى بالتقادم السياسي، ولن تمحوه بيانات رسمية أو مؤتمرات صحفية. فالتاريخ، على قسوته، لا ينسى، والشعوب وإن صبرت فإنها لا تفقد ذاكرتها. وحين تختل العدالة إلى هذا الحد، فإن السؤال لم يعد: من المذنب؟ بل: من يملك الجرأة ليقول الحقيقة كاملة بلا انتقاء ولا خوف؟




