أبوذر أحمد محمّد يكتب : عالِمٌ سودانيٌّ من أعلام الأزهر

عالِمٌ سودانيٌّ من أعلام الأزهر
رَبَطَ النّيلُ بين السودان ومصر، وأرضعهما المناخ المشترك، والمزاج الواحد، والرُّوح المتَّصِلة، فليس من العناء أن تجد سودانيّاً من أصول مصريّة، أو مصريّاً من أرومةٍ سودانيّة.
وليس من الغرابة أن تجد سودانيّاً خالصاً نشأ في مصر، وتفتّقت قريحته العلميّة والأدبيّة فيها،مهما تغيّرت المناخات السياسيّة، ونما الجفاءُ بفعل الأحداث.
والعلاّمة الشيخ الفقيه محمّد نُور الحسن عالِمٌ سُودانيٌّ عرفَتهُ أروِقةُ الأزهر، وحلقاتُ العلم فيه،حتى وصل إلى درجة عضو جماعة كِبار العُلماء بالأزهر، ووكيل الأزهر الشريف الأسبق، بل وكيل وزارة الإرشاد القوميّ المصريّة بطلب أكيد من الصاغ صلاح سالم(والصاغ صلاح سالم عسكريّ وسياسيّ مصريّ، وُلد في العام1920 في مدينة سِنكات، شرقيّ السودان، حيث كان والده موظّفا هناك، فتعلّم تعليمه الأوليّ بها).
2️⃣
ينتمي الشيخ محمَّد نُور الحسن زين العابدين إلى أسرةٍ معروفةٍ بالتديُّن بمنطقة الخوجلاب شمالي مدينة الخرطوم بحري،وهذه الأسرة من ذرّيّة الشيخ خُوجَلِي أبو الجاز من ناحية والده، ومِن ذُريّة الشيخ حمد ود أمّ مريوم مِن ناحيةِ والدَتِه.
وفي أكناف هذه الأسرة المتديِّنة وُلِد الشيخ محمد نُور الحسن بـ”الخوجلاب” عام 1310 هـ، الموافق 1896م.
3️⃣
بدأ حياته العلميّة بقراءة القرآن العظيم وحِفظه بخلوة الشيخ أحمد سليمان بقرية الجعليّين شماليّ الخوجلاب.
وأكمل حفظ القرآن في سِنٍّ مبكِّرة كما ذكر ذلك هو بنفسه،و سمِع عن الأزهر الشريف، وعن هجرة الطلَبة السودانيّين إليه، فَصَحَّ عزمُه على السفر إليه.
وذكر الشيخ محمد نور الحسن في مذكراته أنّه لم يكن معه أحد يساعده، بل قدّم نفسَه إلى إحدى حلقات العِلم التي كان يَفِد إليها الطلبة من كلِّ الأقطار.
4️⃣
وقد ظهر نبوغُه في تلك الحلقات حتى قدّمه شيخُ الحلقة على زملائه، كما تقدّم في حلقة أخرى، أكمل فيها مالم يكن قد أتمَّه في الأولى.
فمالبِثَ أن اجتمع شُيُوخُ الحلقات فضمُّوه إليهم، بعد أن أجمعوا على ثقتهم فيه، فصار واحداً منهم يدرّس الطلبة حتّى خرّجَ منهم طبقات.
5️⃣
انقطع الشيخ للعلم داخل الأزهر وأخلص فيه، حتى إنّه لم يَرَ الشمسَ ثلاث سنوات.
ثُمّ نال الشهادة العالميّة بتفوِّقٍ، وكان ترتيبُهُ الأوّل، وقد نال على إثر ذلك جائزة مَلكِ مصر آنذاك الملك فؤاد عام 1929م.
6️⃣
ثُمّ عُيِّنَ مُدرِّساً بالمعاهد الأزهريّة متنقِّلاً في محافظات مصر،ينشر العلم كما هو شأن علماء الأزهر.
ولم يمضِ وقتٌ طويل بعد نيلِه العالميّة حتّى شجّعه شُيُوخُه على أن ينال درجة كبار العُلماء، فتقدّم ببحثٍ نال به هذا المقام.
7️⃣
حصل الشيخ محمّد نور على درجة الأستاذيّة ممّا أهّلته لتدريس اللغة العربيّة في قسم التخصّص.
وحصل على منصب وكيل الأزهر-وهو أعلى منصب بعد منصب شيخ الأزهر، وقد حصل عليه في المرّة الأولى في العام 1953م،في عهد شيخ الأزهر (من أصلٍ تونسيّ) محمد الخضر حسين.
ثُمّ عُيِّن وكيلاً للأزهر للمرّة الثانية عام 1958،في عهد صديقِه شيخ الأزهر العلاّمة المفسِّر محمود شلتوت،كما عُيِّن الشيخ محمّد نور الحسن عضواً عاملا في معهد البحوث الإسلامية بالأزهر، ثمّ استوفى شروط (مُراسِل) بمجمع اللغة العربيّة.
8️⃣
عُيِّن وكيلاً على يد الصاغ صلاح سالم، وكيلا لوزارة الإرشاد القوميّ وشؤون السودان،وقد قضى بهذا المنصب فترة قصيرة، تقدّم بعدها باستقالته، وقد ردّ على طلب الاستقالة الرئيس المصريّ الأسبق جمال عبدالناصر بقوله:”كُنّا نريد أن تبقى معنا فترةً أطول، ولكنّ قَبُولنا لطلبك بناء على رغبتك”.
وفي نشاطه بالمؤتمرات العِلميّة تمّ انتدابُه إلى أندنوسيا في عهد الرئيس أحمد سوكارنو.
وفي مجال التكريم والأوسمة حصل الشيخ محمّد نور على وسام “العِلم الذّهبيّ” بالسودان، على يد الرئيس الأسبق جعفر محمّد نميريّ،وكان ذلك في العام1970م.
كما منحَه الأزهر” وسام العِلم الذّهبيّ” من الطبقة الأولى، وكان ذلك في احتفال الأزهر الشريف بعيدِهِ الألفيّ في العام1983م.
9️⃣
وعن أدواره الوطنيّة ضدّ الاستعمار كان الشيخ محمّد نور الحسن مجاهدا واعياً يعرف دور العلماء في التغيير، فعند قيام ثورة سنة1919م بوادي النيل بقيادة الزعيم الوطنيّ سعد زغلول، كانت غرفة الشيخ بالرّواق السنّاريّ بالأزهر وَقوداً للثورة، وملتقىً للثوّار.
وكان الشيخ محمّد نور قائدا للمظاهرات حتى تمّ اعتقاله فمكث بالسجن، وأُفرِج عنه بعد ذلك.
وقد وثّق هذه المعلومة المؤرِّخ السودانيّ محمّد عبدالرّحيم في كتابه “الكفاح المسلّح” وموجودة نسخة منه في مكتبة السودان.
🔟
للشيخ محمّد نور الحسن مؤلّفات تدلّ على مكانته الرّفيعة في العلم، منها :
▪️أطروحة تفسير سورة النجم.
▪️رَضِيُّ الدِّين محمّد بن الحسن الأستراباذيّ النّحويّ:شرح شافية بن الحاجب، مع شرح شواهِدِه للعالِم الجليل عبدالقادر البغدادي.
حقّقهما وضبط غريبهما وشرح مبهمهما كلٌّ مِن :
الشيخ محمّد نور الحسن، محمّد الزفزافيّ، ومحمّد محي الدّين عبدالحميد، ونشرته دار الكُتب العلميّة ببيروت – لبنان، عام 1975م.
وللشيخ أيضا:
▪️بحث في (الاجتهاد، حاضرُه وماضيه) قدّمه في مؤتمر عِلميّ بذات العنوان.
▪️ بحث قدّمه في مؤتمر جامعة القرويّين في الجمهوريّة العربيّة المتّحدة،وهو عبارة عن كلمة ألقاها في الاحتفال الذي أُقِيم في مدينة الرّباط المغربيّة، بجامعة القرويّين، ذكر فيها أوجه الشبه بين الجامعة والأزهر في جميع النّواحي الأكاديمية والتاريخيّة.
▪️بحث في مؤتمر (كيفيّة الاستفادة من لُحوم الهدايا في الحجّ).
▪️وهناك عدد من المؤلَّفات كُتِبت عن الشيخ :
-الأزهر الشريف في عيده الألفيّ:
إشراف الدكتور محمّد السعديّ فرهود، وآخرون.
-الأزهر في ألف عام.
-دور الأزهر في السودان، أعلام وعُلماء.
تقديم عبدالغني صالح الجعفريّ.
▪️ذكرَ الشيخُ المحقّق محمّد مُحي الدّين عبدالحميد أنه استفاد من الشيخ محمد نور الحسن في تحقيقه قطر الندى لابن هشام الأنصاري في علم النحو، وفي تحقيقه سُنن أبي داود في الحديث النبويّ.
▪️وقد أوقف الشيخُ محمد نور الحسن :
-وقف للمسجد العتيق بمنطقته الخوجلاب.
-وقف لمسجد الشيخ خوجلي بمدينة الخرطوم بحري.
-وقف للطلبة الأوائل بكليّة الشريعة واللغة العربيّة بجامعة أمدرمان الإسلاميّة بالسودان.
-كما أوقف الشيخ مكتبته لطلبة المعهد العلميّ بأمدرمان، وهو الآن جامعة أمدرمان الإسلاميّة، وتضمّ مكتبته 1453 مجلّداً. كما تضمّ مكتبته عددا من المخطوطات العلميّة النادرة.
وقد كتبتُ لك – أيُّها القارئ الواعي- هذه المعلومات من مطويّةٍ (مُطبَّق) يحمل صورة الشيخ وسيرته الزاهية الزاكية، وقد تمّ توزيع هذا المطبّق في احتفال أُقيم على شرف الشيخ العلاّمة محمّد نور الحسن الخوجلابيّ، أقامه معهد البروفسير عبدالله الطيّب بجامعة الخرطوم، في ندوته المشهورة ببرامجها العلميّة ونشاطها القيّم في أكتوبر 2018م.وقد حضر الاحتفال أهالي منطقة الشيخ (الخوجلاب) و(الجعَلييّن) ..وقد كتبَ هذا المطبّق ابن شقيق الشيخ محمد عثمان الحسن زين العابدين، وقدّم كلمةً وافيةً عن الشيخ في الاحتفال فضيلةُ البروفسير العالِم، الخبير الإعلاميّ الدّوليّ علي محمّد شمّو بوصفه من خرّيجي الأزهر.
توفِّي الشيخ محمد نور الحسن سنة1971م، ووُريَ الثَّرى بأرض مصر
رحمة الله عليه، ورضي عنه في المرضيِّين.
أبوذر أحمد محمّد
Thu. 19.2.2026م




