مقالات

أبوذر أحمد يكتب : حول إثباتِ شهرِ رمضان المبارك

(366) الثلاثاء. 17.2.2026م

حَولَ إثباتِ شهرِ رمضان المبارك

يستقبل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها شهر رمضان المبارك، وفيه فريضة الصوم.
وصيام رمضان ركنٌ من أركان الإسلام، وهو فريضة مقدّسة، وعبادة من عبادات الإسلام الشعائرية الكبرى، وركن من الأركان العمليّة الخمسة التي بُنُيَ عليها هذا الدِّين، وقد ثبت وجوبُه وفرضيَّتُه بالقرآن والسُّنَّة وإجماع المسلمين.

ولقد فرض اللّٰهُ سبحانه هذا الشهر بحكمته شهرا قمريّاً، لجُملةٍ من الحِكَم والأسباب، منها:

1 ـ أن توقيت المسلمين كلّه بالأشهر القمريّة، كما في حَوْل الزكاةِ، والحجِّ، وعِدَد النساء، وغيرها، قال تعالى:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾[البقرة: 189].

2 ـ أنَّ توقيت المسلمين بالأشهُر القمريّة توقيتٌ طبيعي، تدلُّ عليه علامة طبيعية هي ظهور الهلال.

3 ـ أنّ الشهر القمريّ يتنقّل بين فُصولِ العام، فتارةً يكون في الشتاء، وطورًا يكون في الصيف، وكذا في الرّبيع والخريف، فمرّةً يأتي في أيام البرد، وأخرى في شدّة الحَرّ، وثالثة في أيام الاعتدال،فتظهر هُنا حكمة التشريع الإسلاميّ وتيسير ربّنا الرحمن الرحيم على عباده في هذه العبادة التي لا يتمّ الإسلامُ بغيرها.

2️⃣

ولقد نظرتُ في كتاب “تيسير فقه الصيام” للعلاّمة الرّاحل الفقيه المعروف يوسف القرضاوي، لأقف معك – أيُّها القارئ الواعي – عند مسألة تختلف فيها بلدان المسلمين في كلّ سنة؛ فنرى هذه الدولة تصوم يوم كذا، وتلك قبلها بيوم، وغيرها بعدها بيوم.


والسؤال هُنا :كيف تثبت رؤية هلال رمضان؟ وهل يثبت الشهر الفضيل برؤية الهلال فقط؟ أم بالحساب الفلكيّ أيضا؟
يقول العلاّمة القرضاويّ رحمه الله :
“ثلاث طرق لإثبات رمضان:وقد أثبتت الأحاديث الصِّحاح أنّ شهرَ رمضان يثبت دخولُه بواحدة من ثلاث طرق:
ـ رؤية الهلال.
ـ أو إكمال عدّة شعبان ثلاثين.
ـ أو التقدير للهلال.

▪️الطريقةُ الأُولى:

فأمَّا الرؤيةُ فقد اختلف فيها الفقهاء؛ أهي رؤية واحد عَدل(يعني ثِقة) أم رؤية عَدلَين اثنين؟ أم رؤية جَمٍّ غفير من الناس؟
فمَنْ قال: يقبل شهادة عدل واحد، استدلَّ بحديث ابن عمر، قال: تراءى الناسُ الهلالَ فأخبرتُ النبيَّ ﷺ أَنِّي رأيتُه، فصام رسولُ الله ﷺ، وأمرَ الناسَ بصيامه،
وبحديث الأعرابي الذي شهِدَ عند النبي عليه الصلاة والسلام أنّه رأى الهلال، فأمر بلالًا فنادى في الناس أن يقوموا ويصوموا.قال : “وفي سند هذا الحديث مقال” يعني فيه ضعف.

3️⃣

▪️والطريقة الثانية:

إكمالُ عِدَّة شعبان ثلاثين، سواء كان الجوُّ صحوًا أم غائمًا، فإذا تراءوُا الهلالَ ليلةَ الثلاثين مِن شعبان ولم يَرَهُ أحد، استكملوا شعبان ثلاثين. وهُنا يلزم أن يكون ثبوتُ شعبان معروفًا منذ بدايته، حتى تُعرف ليلةُ الثلاثين التي يتحرَّى فيها الهلال، ويُستكمَل الشهرُ عند عدم الرؤية.وهذا أمرٌ يقع فيه التقصير؛ لأنّ الاهتمامَ بإثبات دُخولِ الشُّهور لا يحدثُ إلاَّ في أشهرٍ ثلاثة فقط:
رمضان لإثبات الدخول في الصيام، وشوّال لإثبات الخروج منه، وذي الحجّة لإثباتِ يومِ عرفةَ وما بعده.

وينبغي على الأمّة وعلى أُولي الأمرِ فيها التدقيقُ في إثبات الشهور كلِّها؛ لأنَّ بعضَها مبنيٌّ على بعض.

4️⃣

▪️والطريقةُ الثالثة:
هي التقديرُ للهِلال عندَ الغَيْمِ، أو كما قال الحديث: “إذا غُمَّ عليكم” أو “غُمِّيَ عليكم” أو “غَبِيَ عليكم”، أي: حالَ دُونَه حائلٌ، ففي بعض الرِّوايات الصحيحة، ومنها مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ. وهي السلسلةُالذهبية، وأصَحُّ الأسانيد عند البخاري: “إذا غُمّ عليكم فاقدروا له”، فما معنى “اقدروا له”؟ قال الإمام النوويّ في” المجموع”:” قالَ أحمد بن حنبل وطائفةٌ قليلة: معناه: ضَيِّقوا له، وقدّرُوه تحت السَّحاب، من” قَدَرَ” بمعنى ضَيَّقَ كقوله: {قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ} [الطلاق: 7]وأوجب هؤلاء صيامَ ليلةِ الغَيم.وقال مُطرِّف بن عبد اللّه ـ مِن كبار التابعين ـ وأبو العباس بن سريج وابن قتيبة وآخرون: معناه: قدروه بحسب المنازل. وقال أبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف: معناه: قدروا له تمام العَدد ثلاثين يومًا. واحتجّ الجمهورُ بالرِّوايات التي ذكرناها، وكلُّها صحيحة صريحة: “فأكملوا العدة ثلاثين”، «فاقدروا له ثلاثين»، وهي مُفسِّرةٌ لرواية: “فاقدروا له المطلقة”.


ولكنَّ الإمام أبا العبّاس بن سُريج لم يحمل إحدى الروايتين على الأخرى، بل نقل عنه ابنُ العربيّ أنّ قوله: “فاقدروا له” خطابٌ لمن خصَّه الله بهذا العلم، وأنّ قوله: “أكملوا العدّة” خطاب للعامّة.واختلاف الخطاب باختلاف الأحوال أمر وارد، وهو أساس لتغيُّر الفتوى بتغيُّر الزَّمان والمكان والحال.قال الإمامُ النوويُّ في “المجموع”: “ومَن قال بحساب المنازل فقوله مردود بقوله  ﷺ في الصّحيحين:” إنَّا أمّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نكتب ولا نحسب”.

5️⃣

قالوا: ولأنَّ النَّاسَ لو كُلِّفُوا بذلك ضاقَ عليهم؛ لأنّه لا يَعرف الحسابَ إلا أفرادٌ من النَّاس في البُلدان الكبار” الحديث.
والحديث الذي احتجّ به الإمام النووي ، لاحُجَّةَ فيه؛ لأنَّه يتحدّث عن حال الأمّة، ووصفها عند بعثته لها !، ولكنّ أمِّيَّتها ليست أمرًا لازمًا ولا مطلوبًا، وقد اجتهد أن يُخرَجها من أمِّيتها بتعليم الكتابة، وبدأ بذلك منذ غزوة بدر، فلا مانع أن يأتيَ طورٌ على الأمَّة تكونُ فيه كاتبةً حاسبةً. والحساب الفلكي العلميّ الذي عرَفه المسلمون في عصور ازدهار حضارتهم،وبلغ في عصرنا درجةً من الرُّقيّ تمكَّن بها البشر من الصعود إلى القمر، هو شيء غيرَ التنجيم، أو علم النجوم المذموم في الشرع.


وأمَّا الاعتبار الآخر الذي ذكره النووي، وهو أنّ الحساب لا يعرفه إلا أفراد من الناس في البُلدان الكبار، فقد يكون صحيحًا بالنسبة إلى زمنه ، ولكنه ليس صحيحًا بالنسبة إلى زمننا، الذي أصبح الفلك يُدرس فيه في جامعات شتَّى، وغدت تخدمُه أجهزةٌ ومراصد على مستوىً رفيع وهائل من الدِّقّة. وقد أصبح من المُقرَّر المعروفُ عالميًّا اليوم: أنّ احتمال الخطأ في التقديرات العلميّة الفلكيّة اليوم هو نسبة “1” إلى “100000” في الثانية!!كما أنّ البلدان الكبار والصغار الآن أصبحت متقارِبة، وكأنّما هي بلد واحد، بل غدا العالَم، كما قيل: “قرية كبرى”! ونقل الخبر من قُطر إلى آخر، ومن مشرق إلى مغرب، وبالعكس لا يستغرق ثواني معدودة.

6️⃣

وقد ذهب أبو العبّاس بن سُريج من أئمّة الشافعيّة , إلى أن الرّجل الذي يعرف الحساب، ومنازل القمر، إذا عَرف بالحساب أنّ غدًا مِن رمضان فإنّ الصّوم يلزَمه؛ لأنّه عَرف الشهرَ بدليلٍ، فأشْبَهَ ما إذا عَرف بالبيِّنة. واختاره القاضي أبو الطيِّب؛ لأنّه سببٌ حصل له به غلبةُ ظنٍّ، فأشبه ما لَوْ أخبره ثقةٌ عن مشاهدة. وقال غيرُه: يُجزِئُهُ الصومُ ولا يلزمُه. وبعضهم أجاز تقليده لمن يثق به.وقد ذهب بعضُ كبار العلماء في عصرنا إلى إثبات الهلال بالحساب الفلكيّ العلميّ القطعي، وكتب في ذلك المحدِّثُ الكبيرُ العلاَّمةُ أحمد محمّد شاكر رسالته، في “أوائل الشهور العربية: هل يجوز إثباتها شرعًا بالحساب الفلكي”؟، وأيَّدَ ذلك بِحجَّةٍ قويَّة خلاصتُها أنّ اعتمادَ الرُّؤيَةِ كان لأُمِّيَّة الأمّة التي لم تكن تكتب ولا تحسب، فإذا تغيّرَ وضعُ الأمَّةِ وأصبحت تَكتبُ وتَحسبُ، وغدت قادرةً على الاعتماد على نفسها ـ لا على غير المسلمين ـ في إثبات الشهور بالحساب العلميّ الدّقيق كان عليها أن تعتمد الحساب بدل الرُّؤية لأنّها وسيلةٌ أدقّ وأضبطُ وأقربُ إلى توحيد كلمة المسلمين بدل هذا الاختلاف الشاسع الذي نراه في كلّ صيام وفطرٍ بين أقطار الإسلام بعضِها وبعض إلى حدِّ يصوم بعضُهم الخميس وبعضُهم الجمعة وبعضهم السبت مثلًا.


وقبله كتبَ العلاَّمةُ السيِّد رشيد رِضا داعيًا للعمل بالحساب القطعيّ في مجلة المنار وفي تفسيره لآيات الصيام.
وبعدُ فالمبحث لايزال شائقاً ماتعاً وبخاصّة أنّ الإمام القرضاوي فقيه متبحِّر، وباحث مستقصٍ موسوعيّ.. وهو مَن نادى في عصرنا هذا بالأخذ بالحساب وقد اعتمدت نداءه المجامع الفقهيّة فى أنحاء العالَم الإسلاميّ.

أبوذر أحمد محمّد
Tue. 17.2.2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى