صديق دلاي يكتب : شجن الكمان .. المساء بين الديوان والدكان

شجن الكمان( ٢)
المساء بين الديوان والدكان
كنا بخير ومازالت الخرطوم بعيدة عنا وكانت إذاعة أمدرمان دنيانا ، كنا مثقفين للتو نتابع إذاعة لندن الاخبار بصوت هدي الرشيد قادمة من إذاعة جدة وكنا نتابع مختارات الأحد بشوق عجيب لو جاء العاقب احمد حسن قديس في محراب الغنا ينشد (يا حبيب العمر)
كانت نجوي آدم عوض بنت من أمدرمان وسياتي يوم عجيب وانا احاور الراحل هاشم صديق من بيته في حي بانت قريبا من سوق صغير باغته بسؤال(انت زول زعاااال) فضحك بل وضحكنا وحدثني عن أيام زمن قبل أن يكتب (نبتة حبيبتي) اخبرني بتاريخه وكان يردف ليلي المغرب في عجلة الدبل ليصلا الي إذاعة أمدرمان قريب من بيوتهم
كان صوت نجوي آدم عوض صافي يشبه آخر الليل ومختارات الغنا الجد غنا كبار البلد
كانت بن اختي محمد مكي ابو انس و رفيقي كنا ننام وبيننا راديو نسمع منه ترفا مثل إذاعة صوت العرب ومنذ ذلك الوقت تعرفنا علي ام كلثوم وعبد الحليم حافظ ومثلهم نعود لعلي المك يدوزن باللغة حكايات أمدرمانية ،
كان الديوان بلا حوش وكان العشا صينية فيها الفجل وبصل البابون وكان الدكان مكان البيع والسمر وكل شي مستور سكر وبن وشاي وبلح وبازوكة
لم يأتينا بيع التقسيط وشيطان القل حيث الربا المقنن ، أم كلثوم تغني والعاقب يصرخ كقديس يا (حبيب العمر)
كانت الدنيا بخير ، كنا نشتم ريحة الرغيف الآلي بمسافة كيلومتر ، كان الجيل السابق يحدثنا عن حليب ود الرفيق وعن دكان عطور بسوق العزازي يستورد من باريس وسيارة الكافينول توزع الكافينول علي الدكاكين بالسعر الرسمي ولافتة اعجوبة مرطبات السلام مع تحيات إدارة ابو علام، تنافس زمزم والزبون أمير حقيقي ومشروب الشعير ملأ الدنيا واسعد حتي ربات البيوت
كان سوق العزازي محل غزل الشعراء ، دلالة الثياب وسوق المحاصيل وبرينسات المناقل
ونحن الجيل الذي كان يبكي، لو كنت مريخابيا وبكينا في ٨٩ عيسي صباح الخير وكمال عبد الغني وعلي الحسن يبكي ايضا أمل السودان في قدم عاطف القوز
ولو كنت هلالابي ستبكي مع هدف والي الدين كما تشاء ابكي مع هدف وليد طاشين والحزن الأبدي في فؤاد كل هلالي ويكفي ان تذكره بحكم اسمه لاراش
وكانت. الموردة فريق احتجاجي ملي بالارادة والثورة ويمثل مستقبل الراي الثالث في بلد يحلف اهله (اما فيها او نطفيها)
كان القطر يصل نيالا والدمازين والفولة وفي الفولة أجريت حوار مع مدير إذاعة الفولة قال لي ان جده جاء به القطر فاستقرينا وهو مؤسس إذاعة الفولة اصوله من ابو حمد
نعم كنا نبكي نصرا وهزيمة ، وكان الفاضل سعيد في بت قضيم يضحك هلال مريخ
ونحن الجيل الذي حكوا له عن الدهباية ومحمد عثمان وردي بقميص الكاروهات يغني كلمات الفيتوري ويرقص أمام السادة الحبش وكانت الدنيا بخير
كان كل شي ينمو بهدؤ واحترام واصالة ، بنات الفريق، أعراس البلد، احتفالات راس السنة، السينما المتجولة و خطوبة سهير في كل قرية ومدينة والسياسيين نصف مثقفين ونصف افندية
دلاي
فبراير ٢٠٢٦




