مقالات

في خُطَب الكاهن المنبرية: أين كان يحفر البرهان بالإبرة؟ بقلم.. ميرغني أبشر

الجاسر :وكالات

في خطابه الأخير، والذي جاء كردّة فعل لم يحسب لها صاحبها عواقبها، ارتجل قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان كلمةً غاضبةً محمومة بحرمانه التجوّل الأوروبي، شنّ فيها هجوماً لاذعاً على قوى التحول المدني الديمقراطي «صمود»، واصفاً إياها بمعتاد الجُمل الجاهزة من عمالة وارتزاق. ولكن هذه المرّة خرج من طوره ليقرّر، في محاكمة هو فيها ممثل الاتهام والقاضي والمجني عليه والمحامي ضد الشيطان، بحرمان ومنع مواطنين سودانيين من العودة إلى بلادهم، لا لشيء إلا أنهم نهضوا بمهمته هو في الاستعانة بذوي الاختصاص لمعرفة أسباب الوباء المتسبّب في نفوق الحياة البرية والمائية في الخرطوم وتخومها المائية، متهمين من لهم المصلحة في ذلك، ومن يقدرون على فعل ذلك، ومن لمحوا في مخاطباتهم الشوفانية باستخدام ذلك من غير إدراك تبعاته.

فما كانت خطبة صاحبنا تقف في حدود ردّة فعل فحسب، بل هي سانحة ركب عليها في توقيت حسبه ممتازاً، ليوحي لكيزانه بأن لا محل للقوى المدنية في أي تسوية سياسية قادمة لوقف الحرب، مداعباً أحلام قواعدهم من الخائفين على مصالحهم من الضرر. ولأنه أكثر العارفين بمدى حفره بالإبرة في تحسين جودة سير قطار الهدنة، فإن حفر إبرته المُعلن في استمرار الحرب تكذّبه ميادين القتال التي فتحت مساراتها الإنسانية مؤخراً في مدن غرب السودان، استجابةً من الطرف المهيمن لجهود الرباعية التي بات أمر نفاذها بالكلية وشيكاً جداً، مما اقتضى خُطب الطمأنة التي تلاحقت سراعاً.

وفي الوقت الذي ظنّ فيه كثيرون أنّ خارطة طريق الرباعية، الساعية لوقف الحرب وافتراع مسارٍ مستدام تعبر عليه عربات الانتقال الديمقراطي، قد أُودعت الأدراج، كان «كاهن الحفر بالإبرة» يدرك — في قرارة نفسه — المسافة البعيدة التي قطعتها الرباعية خفيةً، وبلوغها تخوم ميس السلام المستدام. وهو ما أفصح عنه عرّابها الحصيف، مسعد بولس، حين شكر علناً التعاون الكبير والدعم الذي وجده مسار الرباعية من السيد البرهان نفسه.

الناظر إلى المشهد الميداني اليوم يلحظ تفاصيلَ غير مُدوّنة في مسودة الرباعية، لكنها تُترجَم عملياً على الأرض، وتدلّ على مستوى السيطرة والانضباط لدى طرفي الصراع في إدارة قواتهما العسكرية. فقد شقّت هذه التفاصيل طريقها إلى التنفيذ في عدد من مدن الوسط والغرب، من الخرطوم إلى الفاشر وكادوقلي وغيرها. ويعضد ذلك ارتفاع نبرة الدعوة إلى عودة النازحين، واستئناف البثّ التلفزيوني من مقره في أم درمان دون خشية من استهداف جديد، بل ومخاطبة البرهان للعاملين فيه من داخل حيشانه.

وها هي، بالأمس القريب، تخرج الرباعية في كامل أناقتها الخاتمة المتمثّلة في:

  • مخرجات مؤتمر المانحين في واشنطن، والذي تمّ هذه المرة برعاية الأمم المتحدة، ممثّلة في ذراعها الإنساني (OCHA).
  • اكتمال المسودة النهائية، والشروع في إيداعها تحت قلم المنظمة الدولية، تمهيداً لتحويلها إلى وثيقة مُلزِمة واجبة النفاذ، تأسيساً على الشرعية الدولية المقبولة من جميع الأطراف: طرفي النزاع، وشركاء الرباعية (الولايات المتحدة، مصر، الإمارات، السعودية)، وداعميها من النرويج وتركيا وقطر وبريطانيا وإثيوبيا، إلى جانب الاتحاد الإفريقي و«الإيقاد».

ويُضاف إلى كل ذلك ما نشاهده من ملامح ترضيات تلبي مصالح دول الجوار المعنيّة بالحرب: إثيوبيا، ومصر، وتشاد، وليبيا، ودولة جنوب السودان. فكل ما رشح مؤخراً من أخبار سياسية تتعلّق بهذه البلدان، والذي يبدو بعضها بعيداً عن أزمة الصراع الدائر في السودان، إلا أنها تقع في لُبّ هذه الحرب، من بينها ملاسنات ترامب وآبي أحمد بشأن سد النهضة، ولقاء وزيري خارجية مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة، وزيارة الرئيسين التشادي والجنوبي السوداني إلى أبوظبي مؤخراً، وغير ذلك.

ولا يخفى على أحد الجهد الواضح الذي تبذله الإمارات لإنجاح هذا المسار، بلا مواربة، باعتبارها واحدة من أكبر المانحين الدوليين للمسار الإنساني، وهو البند الركيزة في أجندة الرباعية. ويوازي ذلك إسهام بريطاني لافت، تجلّى في إعادة خط هيثرو لصالح الحكومة السودانية، وبوادر استئناف مطار الخرطوم للرحلات الجوية.

أخيرًا، يبدو أنّ طريق السلام في السودان قد بات هذه المرّة أقرب من أي وقتٍ مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى