منذر مصطفى يكتب .. غزة والسودان : ريفيرا ومستنقع!

وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع مجموعة من قادة الدول والحكومات على “الاتفاق الإطاري لمجلس السلام المعني بغزة” في منتدى دافوس بسويسرا؛ وبموجب هذه الوثيقة يساهم كل طرف بمبلغ مليار دولار نقداً في صندوق إعادة الإعمار، مُنهياً بذلك حرب 7 أكتوبر، التي تُعتبر امتداداً طبيعياً للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي التاريخي. بينما لا تزال الحرب في السودان، التي بدأت قبلها بأشهر، تسحق الإنسان والإرث مع مستويات تضامن دولي منخفضة للغاية.
هذا ليس الصندوق الأول من نوعه لدعم المجتمعات الفلسطينية؛ فبعد أحداث مايو/أيار 1948، تقرر إنشاء “الأونروا” بتفويض فريد في ديسمبر/كانون الأول 1949، حيث تتبع للجمعية العامة للأمم المتحدة مباشرة، وتشاركها هذه التبعية المباشرة “المفوضية السامية لشؤون اللاجئين” على غير العادة حيث يفرض المجلس الاقتصادي والاجتماعي إشرافه على باقي الوكالات الأممية بما في ذلك المفوضية السامية.
وبعد تحول الصندوق إلى أداة لإطالة أمد الصراع – حسب وجهة نظر بعض الداعمين – عُقدت ورشة عمل “السلام من أجل الازدهار” في البحرين في يونيو/حزيران 2019، والتي عرضت خطة اقتصادية بقيمة 50 مليار دولار كجزء مما عُرف بـ “صفقة القرن”، كتطور طبيعي لأطروحة شمعون بيريز عام 1993 “الشرق الأوسط الجديد”، التي أحياها بنيامين نتنياهو خلال “مؤتمر هرتسليا” في يناير/كانون الثاني 2008، حيث جادل بأن تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين هو “الممر” الوحيد الذي سيخلق لاحقاً ظروفاً ملائمة للسلام السياسي.
ولبناء هياكل صلبة تدعم تحرك المبادرة في طريق التحقق، دعا ترامب عدداً من الدول الإقليمية إبان فترة حكمه الأولى للانضمام إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية” في سبتمبر/أيلول 2020، لكنها واجهت رأياً عاماً فاتراً، وتمنعت دول وازنة في المنطقة عن دعمها، مما تطلب جعلها أكثر تقارباً مع تطلعات أصحاب المصلحة في النسخة الأخيرة، لا سيما استيعاب جوهر “مبادرة السلام العربية” الصادرة في مارس/آذار 2002.
ورغم أن جذور الصراع في السودان غير مرتبطة بسردية صراع الصهيونية اليهودية مع المجتمعات المحلية في فلسطين، إلا أن نمط إدارة الرأي العام كان ملهماً لأطراف الحروب الأهلية، وحفز صعود “الصهيونية الإسلاموية” لسدة الحكم، مستلفةً ثنائية “البروبغاندا والميليشيات” لفرض الأمر الواقع، وقد شكلت التطورات الدراماتيكية لحرب الجنوب ذروة هذا الارتباط.
ومع أن أطراف الحرب الحالية في السودان وقعوا على “الاتفاقية الإبراهيمية” (عبر إعلان السودان في يناير/كانون الثاني 2021)، إلا أن العمليات العسكرية والدعائية تتحرك بذات الأطروحة (مستنقع حرب بالوكالة لا يجف) ضمن أحلاف في ذات الفلك الجيوسياسي.. والفرق الوحيد أن الحرب في غزة انتهت – وفق هذا الاتفاق – بـ 50 مليار دولار على طاولة الإعمار، بينما وضعت الحرب في السودان ما يفوق ْ50 مليار دولار إضافية على طاولة الديون.
منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
الجمعة 23 يناير/كانون الثاني 2026




