مقالات

الجهاز القضائي المسلح​بقلم.. محمد الحسن أحمد

الجاسر :وكالات


​بخطوات متسارعة تمضي البلاد نحو “الملشنة” في ظل انهيار تام لمؤسسات الدولة على وقع حرب عبثية وضعت البلاد على حافة التشظي والتلاشي. ورغم ازدياد المخاوف من تناسل المليشيات المسلحة مقابل تضعضع القوات المسلحة، والأزمات الإنسانية والاقتصادية التي تطبق بخناق المواطنين (نازحين ولاجئين ومقيمين)، إلا أن كارثة انهيار الجهاز القضائي تعد الأكبر؛ كونها تعني انهيار العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بالمواطن.
​هناك مئات الشواهد الدالة على انهيار الدولة وملشنة جهازها القضائي وإفساده عبر الأحكام التعسفية الباطلة؛ وآخرها -وليس أخيرها بالطبع- محاكمة الدكتور أحمد شفا بمحكمة دنقلا، بناءً على شكوى من “كتيبة البراء بن مالك”، في قضية كان الشاكي فيها هو الشاهد، مع تجاوزات خطيرة في إجراءات المحكمة.
​لم يكتفِ الإسلامويون بالتلاعب في إجراءات القضية، بل انتشرت عناصر كتيبة البراء بن مالك المسلحة في محيط المحكمة ومنعت المواطنين من الدخول إليها، والأدهى والأخطر هو وجود مسلحين ملثمين يحملون أسلحة آلية داخل قاعة المحكمة نفسها، وعلى مرأى ومسمع من القاضي وحاجب المحكمة، دون أن يصدر أي توجيه بإخراجهم، رغم كونهم الطرف الخصم في القضية، مما عُدَّ اختلالًا صريحًا لميزان العدالة.
​وفي محكمة مدينة ود مدني كانت المهزلة الأخرى؛ حيث قضت بالسجن المؤبد على الكاتب والمؤرخ خالد بحيري بتهمة التعاون مع “الدعم السريع”، رغم توافر مئات الشهود على براءته وعلى ما قدمه من خدمات خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة. لكن تبقى القرينة الكبرى في حكم المحكمة هي كون المتهم أحد قيادات حراك ثورة ديسمبر، وذلك وحده كافٍ في عرف “الكيزان” للحكم بإعدامه لا سجنه فقط.
​وتبدو المفارقة الكبرى في المشهد السريالي العبثي لحرب “الكيزان”، في الحكم بتبرئة قائد الفرقة الأولى ود مدني، اللواء أحمد الطيب، من تهمة الخيانة، والحكم عليه بالسجن خمس سنوات فقط بعد إدانته بتهمة “الإهمال” في محكمة عسكرية.
​ما بين غياب العدالة، وانتشار قانون الغاب، والتدهور الاقتصادي، وهروب الاستثمارات، وتقويض شرعية الدولة، وتفشي الفساد، والتفكك الاجتماعي وفقدان الأمان؛ تتبدى مخاطر انهيار الجهاز القضائي وتسييسه. وهي مخاطر تزداد وتتعقد مع استمرار الحرب ورفض محاولات وقفها، وتلك مقاصد دونها “خرط القتاد” لدى الكيزان في مشروعهم الهادف لنسف الدولة السودانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى