السودان بين خطر التقسيم وشبح الحروب : الكنابي في مرمى السلاح المنفلت

جعفر محمدين عابدين
14 ديسمبر 2025م
منذ استقلاله، ظل السودان رهينة لأزمات بنيوية عميقة في إدارة الدولة، كان حصادها المتكرر حروبًا، وانقسامات، وتمزيقًا للنسيج الاجتماعي. ولم يكن انفصال جنوب السودان سوى النتيجة الأكثر وضوحًا لفشل النخب الحاكمة في بناء دولة المواطنة المتساوية. غير أن هذا الفشل لا يتجلى فقط في مناطق النزاعات التقليدية، بل يظهر بوضوح في وسط السودان نفسه، حيث تحولت مجتمعات الكنابي إلى ضحية مباشرة للسلاح المنفلت والتهميش المزمن.
الكنابي… تهميش تاريخي في قلب الدولة
تُعد الكنابي تجمعات سكنية نشأت حول المشاريع الزراعية الكبرى، وعلى رأسها مشروع الجزيرة، وأسهم سكانها لعقود طويلة في الإنتاج الزراعي الذي شكّل أحد أعمدة الاقتصاد السوداني. ورغم ذلك، ظلوا خارج الاعتراف القانوني والتخطيط العمراني، ومحرومين من أبسط الخدمات الأساسية، من تعليم وصحة ومياه وكهرباء.
هذا التهميش لم يكن عارضًا، بل سياسة غير معلنة، جعلت من الكنابي مجتمعات بلا حماية قانونية، وسكانها مواطنين من الدرجة الدنيا، في تناقض صارخ مع شعارات الدولة حول التنمية والاستقرار.
مليشيات درع السودان: العنف باسم الحماية من قيادة الدولة
مع اندلاع الحرب وانهيار سلطة الدولة، برزت مليشيات مسلحة متعددة تحت مسميات مختلفة، كان سابقا تسمي درع البطانة تحولت الي درع السودان،هذا المليشيات التي نشطت في أجزاء من وسط السودان، بقيادة المجرم كيكل . لا سيما ولاية الجزيرة. تورطت هذه المليشيات في انتهاكات خطيرة بحق المدنيين، وكان لسكان الكنابي نصيب وافر منها.من تلك الانتهاكات
شملت هذه الانتهاكات الاعتداءات المسلحة، والقتل خارج إطار القانون، والقتل علي اساس العرق واللون وبقر البطون والتهجير القسري، وحرق المساكن، والنهب المنظم، في ظل صمت رسمي، وغياب تام للمساءلة من قبل الدولة
حين يصبح التهميش جريمة مركبة
ما تتعرض له الكنابي اليوم لا يمكن فصله عن السياق العام للحرب، لكنه يمثل حالة أشد خطورة، إذ يجتمع فيه التهميش الاجتماعي التاريخي مع العنف المسلح المنظم. فالمجتمعات التي حُرمت لعقود من الاعتراف والخدمات، باتت اليوم تُستهدف لأنها بلا سند سياسي أو قانوني، ما يجعلها فريسة سهلة للمليشيات.
إن جرائم مليشيات درع السودان بحق الكنابي لا تُعد أحداثًا معزولة، بل تأتي ضمن نمط أوسع من الانتهاكات التي طالت المدنيين في دارفور وكردفان وغيرها، وهو نمط يقوم على الإفلات من العقاب، واستخدام السلاح لفرض واقع جديد بالقوة.
أزمة واحدة… ضحايا كُثُر
تكشف مأساة الكنابي، كما تكشف جرائم دارفور، حقيقة الأزمة السودانية: دولة فشلت في احتكار العنف المشروع، وفشلت قبل ذلك في تعريف مواطنيها على أساس المساواة. فالدولة التي تعجز عن حماية عمالها الزراعيين في قلب مشاريعها الإنتاجية، هي ذاتها التي انهارت أمام قوات ادعت انها خرجت من رحمها ومن رحم جيشها ؟؟ في أطراف البلاد
ما الذي يجب أن يتغير؟
لا يمكن الحديث عن سلام أو وحدة وطنية في السودان دون وضع حد لانتهاكات المليشيات، بما فيها مليشيات درع السودان، وذلك عبر:
حلّ جميع المليشيات ونزع سلاحها دون استثناء.
محاسبة قادة وأفراد مليشيات درع السودان المتورطين في جرائم ضد المدنيين، وفق القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني.
الاعتراف القانوني بالكنابي، وضمان حق سكانها في الأرض والحماية والخدمات.
إدراج قضايا الكنابي ضمن أي عملية سياسية أو حوار وطني قادم، باعتبارها قضية عدالة ومواطنة، لا ملفًا هامشيًا.
الخلاصة
إن استهداف الكنابي من قبل مليشيات درع السودان ليس حادثًا عابرًا، بل مؤشر خطير على تفكك الدولة وانزلاقها نحو منطق الغاب. ومن دون تفكيك بنية التهميش والعنف معًا، سيظل السودان مهددًا بالتقسيم والانفجار الاجتماعي، حتى في مناطقه التي كانت تُعد يومًا ما “آمنة”. فالدولة التي لا تحمي أضعف مواطنيها، لا يمكن أن تحمي نفسها.




