مقالات

جعفر محمدين يكتب .. جهات التشابه اللغوي والثقافي وعمق الأثر التاريخي

علاقة التاما بالمجموعات النوبية في شمال السودان : بين الماضي والحاضر

جعفر محمد بن عابدين
10 ديسمبر 2025م

جهات التشابه اللغوي والثقافي وعمق الأثر التاريخي

تُعد مجموعتا التاما والنوبيين من أعرق المكوّنات السودانية التي تشكّلت عبر آلاف السنين ضمن فضاءات حضارية ممتدة بين الصحراء الكبرى ووادي النيل ووديان دارفور القديمة.
ورغم التباعد الجغرافي بين موطن التاما في غرب السودان وشمال تشاد، وبين موطن النوبيين على امتداد وادي النيل شمالاً، فإن بين المجموعتين خيوطاً راسخة من الارتباط اللغوي والثقافي. تعود هذه الصلات إلى جذور ضاربة داخل العائلة النيلية-الصحراوية وإلى مسارات الهجرة والتواصل التي ربطت شعوب الصحراء والسافانا عبر التاريخ.

أولاً: خلفية تاريخية – وادي هور ومسارات الاتصال القديمة

تشير الأدلة الأثرية والجغرافية إلى أن وادي هور كان نهراً عريضاً قبل نحو ستة آلاف عام، ووفّر ممراً طبيعياً بين دارفور ووادي النيل. وقد أسهم هذا الممر في حركة انتقال واسعة للمجموعات البشرية، وفي تبادل الأنماط الحياتية والثقافية، مما رسّخ ملامح حضارية مشتركة بين السكان الذين تحوّلوا لاحقاً إلى مجموعات إثنية متعددة، من ضمنها التاما والنوبيون.

هذا الامتزاج المبكر يفسّر جانباً كبيراً من التشابه بين الطرفين حتى اليوم، رغم تطوّر كل مجموعة على نحو مستقل عبر القرون.

ثانياً: الروابط اللغوية بين التاما والنوبيين

تنتمي اللغة التاماويةواللغات النوبية إلى العائلة النيليّة الصحراوية. ورغم انتمائهما إلى فروع مختلفة، إلا أن بينهما خصائص لغوية مشتركة، أبرزها:

  1. التقارب الصوتي: وجود أصوات لثوية وحنكية مميزة للعائلة النيلية-الصحراوية.
  2. البنية الصرفية: اعتماد اللغتين على السوابق واللواحق في تصريف الأفعال والصفات.
  3. التقارب الدلالي في مجموعة من المفردات الأساسية المرتبطة بـ:

القرابة الأسرية

الطبيعة والبيئة

الأنشطة اليومية

وتشير هذه السمات إلى أصل لغوي قديم مشترك سبق تفرّع اللغات الحالية.

ثالثاً: التشابهات الثقافية والاجتماعية

رغم اختلاف البيئات الطبيعية بين دارفور ووادي النيل، إلا أن الثقافة التامية والنوبية تشتركان في قواسم عديدة، أبرزها:

  1. الفنون والأداء

الإيقاعات الخماسية في الغناء والرقص.

استخدام الدفوف وطبول الإيقاع.

رقصات ذات طابع بطولي أو رمزي، تظهر ملامحها في الفن التامي وفي النقوش النوبية القديمة.

  1. العمارة التقليدية

بيوت الطين ذات الأسقف المقبّبة.
تقنيات البناء المتطابقة مع تراث الصحراء الكبرى وكرمة ونبتة.

  1. المعتقدات الشعبية قبل الأديان التوحيدية

تقديس الأرواح والجبال والأشجار الكبيرة.

طقوس الحماية والاتصال بالأسلاف.

حكايات الجن والأرواح في الوديان والجبال.

وتظهر هذه العناصر بصيغ متعددة في تراث التاما والنوبيين على السواء.

رابعاً: التراث الشفاهي والأساطير

يحمل التاما والنوبيون تراثاً شفاهياً ثرياً، يتضمن الشعر والملاحم والأساطير، ويتقاطع في:

بنية السرد البطولي الممتد عبر الأجيال.

حضور المرأة كرمز للخصوبة والقوة.

قصص النشأة المرتبطة بالماء والأنهار والوديان.

دور الحكيم أو الكاهن في فض النزاعات أو كشف الغيب.
وتعكس هذه السمات مخزوناً حضارياً مشتركاً نشأ قبل قيام الممالك التاريخية في الإقليمين.

خامساً: التفاعل في التاريخ الحديث

شهدت القرون الأخيرة صوراً مختلفة من التفاعل بين التاما والنوبيين، من أبرزها:

  1. التبادل التجاري

ارتبطت بين المنطقتين حركة قوافل غرب السودان التي حملت البضائع والمسافرين عبر طرق ممتدة نحو وادي النيل.

  1. الدولة المهدية

جمعت المهدية أفراداً من غرب السودان وشماله في جيش واحد، وأسهم ذلك في تعزيز التمازج الاجتماعي والثقافي.
قيادات تاماوية لها تاثير ودور كبير في الدولة المهدية القائد البطل الفكي سنين حامل الراية الزرقاء في غرب السودان امير امارة كبكابية
والقائد.الثائر العظيم القائد.محمد زين ابوجيمزا

  1. الطرق الصوفية

امتدت الطرق الصوفية من دارفور إلى النيل، ولعبت دوراً كبيراً في نقل القيم الروحية وأنماط السلوك.
وتبرز هنا مساهمة مجتمعات التاما التي عُرفت بصوفيتها عبر القرون، ومن أهم رموزها:

الشيخ العارف بالله حسين التجاني الكولخي – مسيد قائم في أم درمان أمبدة، يضم عدداً كبيراً من طلاب القرآن وحفظته.

الشيخ التجاني آدم عبد الرحمن – مسيده في محلية كلبس بولاية غرب دارفور، ويُعد من أشهر معالم تعليم القرآن في الإقليم.

وقد شكّل هذا الامتداد الروحي جسراً إضافياً للتواصل بين التاما والنوبيين.
خاتمة

إن العلاقة بين التاما والمجموعات النوبية ليست علاقة نسب مباشر، بل علاقة ذات جذور لغوية وحضارية عميقة تشكّلت عبر آلاف السنين ضمن فضاءات وادي هور والصحراء الكبرى. وقد ترك هذا التفاعل بصماته في اللغة والفنون والعمارة والأساطير، كما امتد أثره إلى التاريخ الحديث من خلال التجارة والطرق الصوفية والحركات الاجتماعية.

وتكشف هذه الروابط عن حقيقة جوهرية:
أن السودان ليس تجمعاً لقبائل متباعدة، بل فضاء حضارياً متداخلاً تشكّل من روافد متعددة تقاطعت منذ أزمنة سحيقة وما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى