«برلمانية سابقة» تُلقي خطاب أمام البرلمان الاسترالي حول الحرب بالسودان

الجاسر نيوز – متابعات
ألقت العضو السابق بالبرلمان السوداني د. حياة آدم، خطاباً أمام البرلمان الأسترالي، تناولت فيه الأزمة الإنسانية والجرائم المروعة التي يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
وشددت د.حياة آدم، في خطاب مطول القته أمس السبت 14 نوفمبر 2025م أمام البرلمان الأسترالي، على أن الحرب في السودان ليست مجرد صراع على السلطة بين قيادات عسكرية، بل نزاع يواجه فيه المدنيون آلة تدمير منظمة، تستهدف السكان الأبرياء مباشرة …الخ، وفيما يلي نص الخطاب :
خطاب امام البرلمان الأسترالي حول الحرب في السودان
المتحدثة: د حياة ادم
المكان: البرلمان الأسترالي…كانبرا
التاريخ: 15 نوفمبر 2025
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ” ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي”
السيدات والسادة أعضاء البرلمان الموقرين، الحضور الكريم،
أقف أمامكم اليوم ممثلة لصوت ملايين الأبرياء الذين لا يستطيعون ان يسمعوا العالم انينهم، اتحدث لا بصوت السياسة، بل بلسان الانسانية التي تهان في وطني منذ اندلاع الحرب، أقف لاحدثكم عن واحدة من ابشع الكوارث الانسانية التي يشهدها القرن الحادي والعشرون: حرب السودان التي بدأت منذ فجر الخامس عشر من ابريل عام 2023.
منذ ذلك اليوم يعيش الشعب السوداني جحيما من القتل والنهب والاغتصاب والتجويع والتهجير القسري الممنهج، حرب لم تترك بيتا الا واحرقت جزءا منه او كله، ولم تترك اما الا فجعت في ابن او فقدت ماوي او قوت يومها.
لكن قبل ان نخوض في تفاصيل المأساة، من واجبنا ان نصحح المفهوم الذي روج له الإعلام الدولي:
هذه ليست حربا بين جنرالين علي السلطة، كما يروج له زورا، انها حرب بين دولة شرعية ومليشيا متمردة ارهابية انقلبت علي الوطن بأكمله، بدليل ان النازحين من الفاشر وكردفان وبارا لم يذهبوا الي مناطق سيطرة هذه المليشيا المجرمة في نيالا او الجنينة او الضعين ، بل قطعت آلاف الكيلومترات في الصحراء سيرا علي الاقدام حتي وصلت الي مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية.
مليشيا ” الدعم السريع ” ايها السيدات والسادة، لم تكن يوما مؤسسة وطنية، بل كيان قبلي مسلح، نشأ خارج مؤسسات الدولة وتمرد علي قيادتها، ثم هاجمت العاصمة الخرطوم في وضح النهار، واحتلت المدن والقري، وبيوت المواطنين، والمرافق العامة، والاعيان المدنية، ونهبت الممتلكات العامة والخاصة، وقتلت الأبرياء بدم بارد.
الجيش السوداني الذي يقاتل اليوم ليس جيش جنرال، بل هو الجيش الوطني الذي يدافع عن حدود الوطن ووحدته وسيادته، اما المليشيا، فهي تحارب كل السودانيين، وتستهدف المدنيين بالدرجة الاولي قبل العسكريين، مدعومة من قوي اقليمية في مقدمتها دولة الامارات العربية المتحدة، التي تمدها بالمال والسلاح والوقود والطائرات المسيرة، في خرق واضح لكل القوانين الدولية وقرارات مجلس الامن، الي جانب مرتزقة عالمية، من ليبيا والنيجر ومالي وتشاد وافريقيا الوسطي واثيوبيا وجنوب السودان، حتي كولومبيا في الآونة الاخيرة.
هذه ليست حرب سلطة، بل حرب بقاء لشعب كامل في وجه آلة تدمير مدعومة من الخارج.
بدأت المأساة من العاصمة الخرطوم، اقتحمت المليشيا الأحياء السكنية، واحتلت المنازل بالقوة، وحولت المستشفيات الي ثكنات، ونهبت المصارف، وحرقت الجامعات، وهاجمت الاسواق، وقطعت الكهرباء والماء والاتصالات عن المواطنين، قتلت الآلاف من المدنيين في الشوارع او داخل منازلهم، واختطفت المئات، وفقد عشرات الآلاف من الأطفال والنساء.
تحولت العاصمة الي مدينة اشباح، يسكنها الخوف والجوع والرعب.
في ام درمان واجه السكان المليشيا بصدورهم العارية، فكان العقاب قاسيا. احرقت البيوت علي ساكنيها، واعدم الشباب ميدانيا، وامتلات الشوارع بالجثث. ففي مناطق مثل الثورة ، والعباسية، وود نوباوي، وابو سعد اقتحمت المليشيا المنازل، ونهبت المحتويات، واعتقلت العشرات، حتي الكنائس والمساجد لم تسلم فدنس بعضها ودمر البعض بالكامل، وبذات القدر لم تسلم مدينة بحري فنالت نصيبها من الدمار.
بعد الخرطوم، وبحري، وامدرمان، تقدمت المليشيا نحو ولاية الجزيرة، الولاية التي كانت تعرف ب ” سلة غذاء السودان”. وحولوا مدنها الي اطلال.
ودمدني، المدينة التي كانت ملاذا آمنا للنازحين من الخرطوم وبحري وامدرمان ، سقطت تحت الاحتلال والنهب، شرد آلاف المدنيين، واغتصبت النساء علنا، واعدم شباب رفضوا نهب ممتلكاتهم. نهبت المصانع والمخازن واحرقت الاسواق والقري الزراعية وسويت بالأرض. في ود النورة ورفاعة، تكررت المشاهد نفسها، مجازر بالمئات، قوافل الموت، الجثث علي الطرقات، والنساء تسحب قسرا من منازلهن. تحولت الجزيرة … رمز الخير والزرع الي رمز للجوع والخراب.
في غرب البلاد عاشت كردفان فصولا اخري من المعاناة.
مدنها الكبري —- الأبيض، الدلنج، كادوقلي، بابنوسة، عاشت القصف والحصار والنهب. اما بابونسة، فما زالت حتي اللحظة تحت حصار خانق: لا غذاء، ولا دواء، ولا ممرات امنة، المدنيون يعيشون علي حافة الموت، ومن يحاول الخروج يقتل في الطريق، ومن يبقي يموت جوعا او مرضا. انها كارثة إنسانية بكل المقاييس، تجري امام صمت العالم، امام تجاهل الضمير الإنساني.
اما دارفور فهو جرح السودان النازف منذ عقود، الإقليم الذي لطالما دفع ثمن الاهمال والحروب. من نيالا الي الجنينة الي زالنجي، كانت المليشيا تمارس التطهير العرقي بوضوح، قتلت القبائل علي الهوية، حرقت القري، ودفن الناس احياء، مثال لذلك قبيلة المساليت، سبيت النساء، وتحول الناجون الي لاجئين في تشاد وافريقيا الوسطي.
في قلب دارفور، الفاشر — اخر المدن الصامدة …. كانت الحكاية الاعنف والأكثر مأساوية. الفاشر المدينة التي قاومت حتي الرمق الاخير، لمدة عاملين كاملين، حوصرت الفاشر حصارا خانقا، منعت عنها الإمدادات الانسانية، جوع سكانها عمدا، حتي اضطر الناس لأكل علف الحيوانات وجلودها للبقاء علي قيد الحياة. مات الأطفال جوعا، ونفدت الادوية، وتوقفت المستشفيات عن العمل. بعد سقوط المدنية، دخلت المليشيا وارتكبت ما لا يمكن وصفه الا بانها مجزرة جماعية.
سقطت المدينة بعد مقاومة بطولية، بعد أن قامت أطراف اقليمية ودولية بمساعدة المليشيا بمدها بالمسيرات والغاز السام وقطعت الاتصال لتمكين المليشيا من دخول المدينة. دخلتها المليشيا لتبدأ ابشع فصول الابادة: المدنيون قتلوا في الشوارع، وذبحوا، علي الملا، النساء اغتصبن امام اسرهن، الأحياء احرقت، بل تم تصفية المرضي داخل المستشفيات ودمرت بمن فيها، ودفن المواطنيين احياء.
الشباب اسروا، وكثيرين منهم اعدموا، والبعض أخذوا قسرا الي معسكرات وسجون سرية.*
استبيحت المدينة بالكامل، وتحولت الي شاهد علي ابشع جريمة ضد الانسانية في العصر الحديث وثقتها كمرات المليشيا نفسها. هرب من استطاع الهرب، لكن المليشيا لاحقت الفارين وقتلتهم علي الطرقات، واعادت بعضهم الي المدينة المنكوبة واستخدمتهم كدروع بشرية، حيث تحولت الفاشر من مدينة للتاريخ والتعايش، الي مدينة للرماد والدماء.
من بين كل المآسي، تبقي معاناة النساء والأطفال والعجزة هي الجرح الاعمق.
النساء في السودان لم يكن طرفا في هذه الحرب، لكنهن تحولن الي أهداف مباشرة، لا لذنب سوي أنهن امهات او اخوات او زوجات لرجال دافعوا عن منازلهم فقد تعرضت الآلاف منهن في الخرطوم، ومدني، ودارفور، للاغتصاب الجماعي في بعض الاحيان، والإذلال العلني امام اسرهن، واختطف بعضهن الي معسكرات مغلقة حيث يحتجزن كسبايا حرب في مشهد يعيدنا الي عصور الرق والعبودية. سبيت الآلاف من النساء من أماكن كثيرة في السودان ودارفور خاصة وتم بيعهن في أسواق أفريقيا واحتجزت اخريات في معسكرات حيث يتعرضن للعنف والانتهاك الجنسي اليومي، كما تعرضت الحوامل للاجهاض بسبب الخوف والجوع والقصف المباشر علي المنازل.
اما الأطفال، فكانوا ضحايا لكل ما يمكن أن يسمي جريمة: قتلوا في القصف العشوائي، جند بعضها قسرا في صفوف المليشيا، وترك الآلاف بلا مأوى او تعليم او علاج. أطفال لا تتجاوز اعمارهم خمس سنوات يبحثون عن الطعام في انقاض البيوت، وآخرون فقدوا ابائهم وامهاتهم في يوم واحد. تقول منظمات الأمم المتحدة ان اكثر من 6 ملايين طفل سوداني يعانون اليوم من سوء تغذية حاد ويواجهون خطر الموت البطئ.
بالنسبة للعجزة وكبار السن، فقد تركوا يموتون في منازلهم او في المستشفيات التي اغلقت ونهبت. قتل بعضهم حرقا داخل بيوتهم، لأنهم لا يستطيعون الهرب أثناء اقتحام المليشيا، كما شاهدنا كبار سن تجاوزوا الثمانين، اهينوا وضربوا بالسياط والهراوات واجبروا علي مغادرة منازلهم سيرا علي الاقدام لمسافات طويلة تحت القصف والجوع والعطش مما ادي الي موت بعضهم في الطرقات.
ان ما تتعرض له النساء والأطفال والعجزة في السودان اليوم، هو وصمة عار علي جبين الانسانية، وهو دليل قاطع علي ان هذه الحرب ليست نزاعا عسكريا، بل جريمة متكاملة الأركان تستهدف الوجود الإنساني نفسه.
ايها السيدات والسادة، لن تستمر اي حرب دون دعم خارجي، لقد اثبتت التقارير الاممية والاستخباراتية، ان دولة الإمارات العربية المتحدة، تمد مليشيا الدعم السريع بالاسلحة، والطائرات المسيرة والمال والوقود هذا الدعم هو الذي أطال أمد الحرب، وأدي الي مقتل مئات الآلاف من الأبرياء وتشرييد الملايين. آن الأوان للمجتمع الدولي ان يقول كلمته بوضوح: ان من يمول القتل شريك في الجريمة.
من هنا من أرض العدالة والحرية، من امام البرلمان الأسترالي الذي يؤمن بحقوق الانسان، نوجه نداء الي ضميركم الحي، باسم الشعب السوداني المكلوم، وباسم كل فتاة اغتصبت، باسم كل طفل شرد، وباسم كل امرأة اهينت واذلت، باسم كل نساء السودان عامة ودارفور والفاشر خاصة، نوجه نداء الي حكومة استراليا وشعبها الحر:
● ان تدين وبشكل واضح وصريح جرائم مليشيا الدعم السريع في السودان.
● وإن تطالبوا المجتمع الدولي بوقف كل أشكال الدعم العسكري والمالي لتلك المليشيا.
● وان تدعموا الجهود الدولية لتصنيفها منظمة ارهابية وفق القانون الدولي.
● ان تضغطوا علي حكومة الإمارات لوقف تمويل وتسليح هذه المليشيا.
● وان تدعموا المساءلة القانونية الدولية عبر المحكمة الجنائية لمحاسبة كل من ارتكب او مول هذه الجرائم.
● وان تدعموا الجهود الانسانية لاغاثة ملايين النازحين واللاجئين.
● وان تقفوا الي جانب السودان ودعمه في معركته من أجل الحياة والحرية والكرامة.
السيدات والسادة :
ان ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد حرب، بل امتحان حقيقي لانسانيتنا جميعا، ان صمت العالم عن الفاشر، الخرطوم، والجزيرة، وكردفان، وبابنوسة، وكادقلي، هو وصمة عار علي جبين الانسانية.
شعب السودان لا يطلب المستحيل، نريد فقط ان يعيش أطفالنا بسلام، ان تعود مدارسنا للعمل، ان تتوقف آلة القتل، وأن يحاسب المجرمون.
*من هنا اقولها بلسان كل ام سودانية فقدت ابنائها، بلسان كل فتاة انتهكت كرامتها، وبلسان كل طفل جائع يبحث عن لقمة العيش، او شربة ماء.
أوقفوا دعم الإمارات للمليشيا القاتلة، صنفوا مليشيا الدعم السريع كمنظمة ارهابية، انقذوا السودان…انقذوا الفاشر…انقذوا الانسانية.
وشكرا لكم.




