بين مشروع الهدم وثورة الوعي ..!

بقلم / الأديب شقيفة
في السودان، لم يكن ما جرى من فساد وتخريب سياسي مجرد تراكم أخطاء عابرة، بل كان نتاج مشروع طويل الأمد قادته مجموعة الإسلاميين المعروفة شعبيًا بـ”دواعش الكيزان”. مشروع لم يستخدم الدين كقيمة أخلاقية، بل كسلاح أيديولوجي لقمع المجتمع، وإعادة هندسة الدولة بما يخدم سلطة ضيقة لا ترى في الوطن إلا غنيمة، ولا في الشعب إلا مادة خامًا للتطويع والتجويع.
أدوات الدولة… بيد عصابة
ارتدى المشروع عباءة الدولة، لكنه كان في جوهره أقرب إلى منظومة مافيوية تُدار من خلف ستار “الشرعية الدينية”. فقد تم استخدام مؤسسات الدولة كأدوات قمع ممنهج:
في الصحة، جُيّرت المشافي إلى مراكز فرز طبقي، يُعامل فيها المريض حسب ولائه، لا حسب حاجته للعلاج.
في التعليم، تم تحويل الجامعات إلى منصات تجنيد أيديولوجي، ففقدت الجامعات استقلالها وتحولت إلى مصانع لإنتاج أجيال طيّعة فكريًا.
في الإعلام، اختُطفت الكلمة الحرة، وتم استبدالها بخطاب دعائي يُزيّف الوعي باسم الدين، ويُجرّم المعارضة بوصفها فتنة.
أما القطاع المالي، فتورّط في تمويل الفساد تحت ستار “التمويل الإسلامي”، الذي لم يكن في أغلبه سوى واجهة لتدوير الفقر، وتكريس الهيمنة الاقتصادية لمن يدينون بالولاء للمنظومة.
الدين كأداة هيمنة
لم يكن الدين، كما قُدّم في خطاب السلطة، رسالة محبة وعدل، بل رُوّج له باعتباره أداة طاعة وتسليم. كل من تساءل أو اعترض أصبح مشروع مرتدّ أو عميل.
تم اختزال الإسلام إلى شعارات طقوسية فارغة من الروح، تُستخدم لحماية منظومة القهر، لا لتحقيق مقاصد الشريعة.
إن أخطر ما فعله هذا المشروع هو خلخلة الوجدان الجماعي:
زرع الشك بين المواطن وأخيه.
كسر العلاقة بين السؤال والمعرفة.
دفع الأفراد إلى التماهي مع الخوف باعتباره “أمرًا طبيعيًا”.
مشروع تفكيك الوعي
ما جرى هو عملية تفكيك ممنهجة للوعي العام. ليس فقط من خلال السيطرة على المؤسسات، بل عبر إعادة تعريف المفاهيم:
الوطن لم يعد أرضًا للجميع، بل ساحةً للفرز العقائدي.
الدين لم يعُد علاقة بين الإنسان وربه، بل أصبح أداة ضبط اجتماعي بيد الحاكم.
والمواطن لم يُعامل كمالكٍ للسلطة، بل كمُتّهم دائم، يجب أن يُثبت ولاءه في كل لحظة.
الثورة… لحظة وعي لا غضب
رغم هذا القمع المتواصل، لم يمت الأمل.
الثورة السودانية، التي هزّت أركان النظام، لم تكن مجرد لحظة غضب شعبوي، بل كانت ولادة وعي جمعي جديد.
وعي يُدرك أن الدولة لا تُبنى بالخطب، وأن الدين لا يُختزل في السلطة، وأن الوطن ليس مجرد علم ونشيد، بل كرامة وعدالة ومساواة.
ما نحتاجه اليوم:
ثورة ضمير تسبق أي تغيير سياسي.
إصلاح مؤسسي يعيد للجامعة عقلها، وللمشفى إنسانيته، وللإعلام مصداقيته.
تحرير الدين من قبضة السياسي، واستعادته كقيمة تحرر، لا كوسيلة للهيمنة.
الخاتمة:
“وطن يتوضأ بالدم” ليست استعارة شعرية، بل واقع نعيشه.
لكننا نرفض أن يكون الدم هو الطريقة الوحيدة للتطهير أو التغيير.
نؤمن أن ما بُني على الخوف لن يدوم، وأن ما تأسس على الكذب سينهار.
ولذلك، لن نصمت.
سنقاوم بالكلمة، بالمعرفة، وبالحق.
وسنسمي الأشياء بأسمائها:
هؤلاء ليسوا حماة دين، بل أعداء الإنسان والدين والوطن…



