مقالات

هذا مقالي عبد العال مكين .. الرشوة السياسية ..!

هذا مقالي
عبد العال مكين
الرشوة السياسية


عندما يتأمل المرء في بعض جوانب السياسة السودانية، يصاب بالذهول أو الغثيان وهو ينبش في ذاكرة الوطن ويكشف خفايا دهاليزها، ومع ذلك لا يعفينا هذا الواقع من مسؤوليتنا تجاه وطن يسحق تحت وطأة ممارسات شوهت قيمه وأعرافه وثقافته.


إن عالم السياسة والحكم في السودان مزدحم بالمصطلحات البراقة التي تجذب القارئ والمتابع، لكنها تخفي وراءها واقعاً مليئاً بالعجب العجاب من الممارسات البعيدة عن النزاهة، ومن خلال متابعتي لبعض الأحداث، خاصة في أوقات الحرب، لفتتني ظاهرة خطيرة أطلقت عليها عنوان هذا المقال: الرشوة السياسية.


الرشوة السياسية ليست مجرد فعل فردي شاذ، بل هي ظاهرة مدمرة تهدد استقرار الدولة ومصداقية مؤسساتها. فهي تفسد القوانين، وتضعف ثقة الشعب في قيادته، وتكرّس الفقر والظلم وتدهور الخدمات العامة، وباختصار شديد، فإنها وجه من وجوه الفساد، الأخطر لأنه يتغلغل في قلب السلطة، حيث تباع القرارات ويشترى الولاء.


ليست هذه الظاهرة وليدة اليوم، بل عرف السودان جذورها منذ عهد الحكم الثنائي، حين عزف المصريون على هذا الوتر الحساس فاستمالوا بعض السياسيين بالمال و المنافع، وقد استغلوا المنظومات الحزبية و الدينية و الصوفية لاستقطاب الولاءات وضمان استمرار نفوذهم ويعتبر الصاغ صلاح سالم – المصري الجنسية – مسؤول ملف السودان حينها – أول من أسس صراحةً لفكرة الرشوة السياسية، حين فتح بابها على مصراعيه لتصبح أداة لتقويض الأنظمة القانونية، وإضعاف الرقابة، وتعطيل المشاريع، واستنزاف الموارد، لقد كانت تلك البداية المشوهة التي غرست شجرة الفساد في التربة السياسية السودانية.


بالمقابل، تظل الرشوة السياسية حائط صد أمام أي نهضة حقيقية في البنى التحتية والتقنية، فهي تدمر الأخلاق وتشجع على بيع الذمم الرخيصة التي لا ترى مصلحة الوطن ولا تضع الشعب في أولوياتها، بل إنها تقتل الأمل في اللحاق بركب الدول المتقدمة، وتبقي السودان أسيراً للتخلف والفقر.
مكافحة الرشوة السياسية لا تتم إلا بإرادة وطنية صادقة، تبدأ من تعزيز الشفافية والمساءلة في كل مؤسسات الدولة، وسن قوانين صارمة ومعاقبة المتورطين دون استثناء، رفع الوعي السياسي والمدني لدى المواطنين، ليكونوا شركاء في الرقابة والمساءلة، مع تشجيع الإعلام والمجتمع المدني على كشف الفساد وعدم التستر عليه، إذا تحقق هذا كله، فإن الدولة تضع يدها على بؤرة الفساد وتحاصرها بالقانون، عندها فقط نستطيع القول إننا نحمي مستقبل الأمة من خطر يهدد وجودها، إن الرشوة السياسية ليست قضية عابرة، بل معركة وطنية تتطلب جهداً جماعياً يشارك فيه المواطن قبل المسؤول.
فتكم بعافية.
ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى