عبدالعال مكين .. الطهر السياسي

هذا مقالي
الطهر السياسي
عبد العال مكين
يعتقد بعض الناس أن السياسة مهنة، ولا يعلمون أن السياسة هي رفاهية الأغبياء عند ممارستها، ويستمتع بها الأذكياء عند فشلهم. وهي فرص نادرة لمن يظفر بها. والمهتمون بها يوظفونها لمصلحتهم الخاصة دون العامة. وعادةً الذين يمارسون السياسة، قلّما تجدهم أنقياء، أصفياء، أوفياء، إذا غابت عنهم الأخلاق والقيم والمبادئ.
أغلب السياسيين في السودان دخلوا سوح السياسة من باب الفراغ في المجتمع، وبحثهم عن مصالحهم، وليس من أجل قضايا وطنية كانت تحاصرهم منذ نشأة أحزابهم. جاء في حديث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (لا يكون المؤمن إمّعة، إذا أساء الناس أساء معهم، وإذا أحسنوا أحسن معهم).
بدأت الأحزاب السياسية السودانية حركتها في المجتمع في فترة ليست بالقصيرة، وتاريخها مليء بالتناقضات المزدوجة.
ولتزامنها مع بزوغ فجر مؤتمر الخريجين – الحيطة القصيرة آنذاك – الذي خرج أفذاذاً من القيادات بصيتها ووزنها المعروف، فقد شهدت تلك المرحلة صراعًا طبقيًا بين الطائفتين (الختمية – الأنصار). جلب هذا الصراع المغازي والدناءة والانحطاط في الممارسة السياسية، حيث ركضت الأحزاب خلف الحاكمين وارتمت في أحضان الطامعين في حكم السودان أو السيطرة عليه.
وبالفعل، بدأت السيطرة عليهم، وعملت على إضعاف الحراك السياسي الذي بدأ بقوة في تلك الفترة، عبر استمالة بعض من قياداته ومساعدة آخرين في تأسيس أحزاب موازية لمنع التشدد والمواقف الصلبة التي جهرت بالقول الحق. كان السياسيون بسطاء جدًا في بادئ الأمر، ولم يصلوا إلى مرحلة النضج السياسي الذي يحد من الفوضى والانشقاق والخصومة التي أضرت بوحدتهم.
يكمن القول في هشاشة البناء الحزبي، وسوء فهم المقصد النبيل للممارسة السياسية، مما قاد في نهاية المطاف إلى المصادمة السياسية الخشنة، ومنع بلوغ الطهر السياسي العاصم من المخالفة، والزج بها في سوء السلوك السياسي والأخلاقي، الذي كان يسيطر على الوسط السياسي.
لم تكن الرشوة السياسية بعيدة عنها، بل كانت حاضرة منذ بدأت الأحزاب السياسية في التكوين والتبلور. وعمد الطرف المناوئ صاحب المصلحة الأكبر إلى إفساد عقول السياسيين وأحزابهم أمام مواطنيهم، مع تعكير المزاج العام الطاهر.
يقولون: (إن الأحزاب السياسية في البلاد الديمقراطية المتحضرة، حيث نجد شعوبها سادة على حكوماتهم).
قلما تجد سياسيين يحملون هموم أوطانهم وشعوبهم دون تأثير أطراف أخرى تسعى لإفسادهم بشتى السبل. ولكن الحصفاء من السياسيين كانوا يتجنبون تلك المزالق والمطبات الحرجة التي توقع بهم في أسفل سافلين.
أما الطهر السياسي المطلوب في ممارسة السياسة، ورغم وصفها الكامل بأنها لعبة قذرة خبيثة، فإنه يقدم بعض الفوائد النبيلة للجميع، لمن خبر دروبها وعايشها ومارسها. فهي فن الوصول للهدف عند استخدام التكتيكات المتنوعة في السياسة التنافسية داخل مجتمع غير مكتمل.
شهدت الفترات التي أُتيحت فيها الفرص للأحزاب بالمنافسة الحرة تفننًا في المراوغة والتكتيك والمحاورة لكسب الوقت في التنافس والسجال الانتخابي، عبر كسب الجمهور بالنداءات والشعارات الرنانة التي تطلقها من منابرها وندواتها ومهرجاناتها. وأكثر الأحزاب نشاطًا في هذا الخضم: حزب الأمة، الحزب الشيوعي، والإخوان المسلمون، الذين أبهَروا الجمهور بالحراك السياسي الكثيف وبرامجهم المتنوعة.
كيف يمكن لنا أن نعمل على إعادة الوضع السياسي في السودان إلى عهد الطهر السياسي؟ الطهر السياسي أداة رفيعة لمنع تدهور أخلاقيات القيادات وفساد برامجها ومقاصدها. وإذا لم يمتنع السياسيون عن هذا كله، ولم يعصمهم الطهر السياسي من التخلف الفكري بإعادة النظر فيما ارتكبوه في الحقبة السابقة بالسودان، فإن الفكر يساعد على تقليل المخالفات.
وللسياسيين مواسم يتظاهرون فيها: مواسم يلبسون فيها الجلابيب والشالات كأنهم في زفة مولد، ومواسم البدل والكرفتات كأنهم في زفة عرس، ومواسم البهدلة والشلهتة كأنهم في سوق حرّ. فإذا اختفت المصالح اختفى السياسيون، وإذا ظهرت سال إليها لعابهم.
وبالطبع لا يخلو مجتمع من الفساد السياسي، إلا الطاهرون الظافرون الذين لم يقعوا في أحضان المستعمر أو براثن اتحاد وادي النيل (المصريين).
فتّكم بعافية.
ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.




